التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٤١

عين " السيف " ياء كما ترى، ويدل عليه قولهم في جمعه: أسياف، فهذا كنيق وأنياق، وريق وأرياق، قالوا ومنه قولهم: درهم مُسيّف، لأنه لا كتابة حوله كما أن السيف أجرد لا يُنبت شيئا، ومنه عندي قولهم: السيف، لانصلاته وانجراده.
فلمّا علا سودّ البصاقِ كفاتُه ... تُهيب الذرى منه بِدُهْمٍ مقارب
فجلل ذا عَير فالإسناد دُونَه ... وعن مخمص الحُجاج ليس بناكب
ويروى: ذا عنز، وكلاهما جبل، والبقة الحرة. إن شئت جعلت جواب " لمّا " تهيب وكان لفظ المضارع في معنى الماضي كأنه قال: أهابت وجعلت على هذا قوله: فجلل عطفا على " أهابت " الذي تهيب في موضعه، وإن شئت جعلت " يهيب " حالا منه وجعلت الجواب قوله: " فجلل "، واعتقدت زيادة الفاء. أي: فلما كان ذلك جلل، وزيادة الفاء مشهورة قد مضى صدر منها في صدر هذا الكتاب. وأما قوله: " وعن مخمص الحجاج ليس بناكب " ففيه دليل على جواز تقديم خبر " ليس " عليها، ألا ترى أن " عن " هنا متعلقة بناكب الذي هو خبر " ليس " وقد قدمه عليها، وإنما يجوز وقوع المعمول فيه بحيث يجوز وقوع العامل، ومثله قول الله سبحانه: (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم) ، ف " يوم " متعلق بمصروف، ويحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون " يوم " متعلقا بما دل عليه: (لَيْسَ مَصْروفا عَنْهُمْ) . ألا ترى أن معناه: يوم يأتيهم يحيق ويقع بهم كما أن قوله تعالى: (يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة لا بُشْرى يومئذ للمُجرمين) في معنى: يوم يرون الملائكة يساؤون ويحزنون، والآخر: أن يكون (يوم يأتيهم) متعلقا بنفس " ليس "؛ لانه إذا جاز أن ترفع وتنصب للفظها كذلك يجوز أن يتعلق الظرف بها أيضا للفظها. قال لي مرة أبو علي رحمه الله: الظرف يعمل فيه الوهم مثلا، وكذلك أيضا يكون قوله: " وعن مخمص الحجاج ليس بناكب "، في معنى عن مخمصهم لا ينكب فيتناوله ما دل عليه قولهم " ليس بناكب "، وإن شئت أيضا علقته بنفس " ليس " لأن حرف الجر يجري مجرى الظرف في تناوله أضعف العوامل، ألا ترى إلى قولهم: " هذا مارٌ بزيدٍ أمسِ " فتعلق الباء باسم الفاعل وإن كان ماضيا، ولكن كما جاز أن تعلق به أمس كذلك جاز أن تعلق به الباء، وقد مر بي للجحاف " بن حكيم " السلمي " من الطويل ":
أبا مالك هل لمتني مُذ حضضتني ... على القتل أم هل لامني لك لائم
وفيها:
يميل قفازاً لم يك السيل قبله ... أضَرَّ بها فيها جباب الثعالبِ
" القفاز ": الصخور واحدتها قفازة، ويروى " قفاز "، وهو مكان، ويروى " جحاش الثعالب " أي أولادها. أراد لم يكن السيل فحذف النون لالتقاء الساكنين وكان قياسه إذ كان موضعا تتحرك فيه النون إن يقرها لقوتها بالحركة ولا يحذفها، ألا ترى أنّ من قال: " لم يك زيدٌ قائما " إنما يقول: لم يكن الرجل قائما، فيحرك النون ولا يحذفها على أنه قد جاء نحو هذا محذوفا، روينا عن قطرب في كتابه الكبير " من الرمل ":
لم يك الحق سوى إن هاجه ... رسم دار قد تعفّى بالسّرَر
أراد: ولم يكن الحق، فحذف، وأن كانت النون متحركة، ووجه ذلك عندي شيئان، أحدهما: أن يكون قَدّر حذف النون قبل مجيء الساكن بعدها، فلما جاء الساكن من بعد أمضاه على سبق الحذف إلى ما قبله كما قال أبو بكر في قول من قال: " هذا القاضِ " بلا ياء إنه حذف الياء قبل دخول اللام أقرّ الحذف بحاله لأنه ألحقها حرفا قد حذفت ياؤه، ومثله قوله أيضا في قوله " من الوافر ":
وطرتُ بمنصُلى في يعملات ... دوامي الأيدِ يخبطن السريحا
إنه الحق اللام " أيد " فأقر حذف الياء على ما كان عليه، وقوله أيضا في قوله " من الكامل ":
كنواحِ ريش حمامةٍ نجدية ... ومسحتِ باللثتين عصفَ الأثمد
ألحق الإضافة بعد أن حذف الياء فبقيت بحالها محذوفة، فهذا وجه، والآخر: أن يكون لم يعتد حركة النون لالتقاء الساكنين فعلم إنه متى حركها لم يغن عنده شيئا وكانت حركة التقاء الساكنين في حكم السكون بدلالة قولهم: اردد الباب، واحلل الحبل، وغير ذلك. ومثل الحذف ها هنا مع الحركة أيضا قول بعض بني أسد " من الطويل ":
فاِلاُّ تك المرآة أبدت وسامةً ... فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم