التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٤٨
يا أطيب الناس أردانا ومبتسما ... كيف العزاء وقد زودتني زادي
لام " العزاء " تحتمل أمرين: الواو والياء، والواو أغلب، حكى أبو زيد في " فِعْلة " منها العِزْوَة، وحكى أيضا فيها التَعزوة ألا أنه لا دليل في هذا، وذلك أنك لو بنيت من " رميت " مثل " تَفْعُلةَ " على التأنيث لقلت: " تَرْمُوة " ومن " قضيت ": " تَقْضُوة "، تقلب لأمها للضمة قبلها، وأيضا فإن معنى قولهم: " عزّيت فلانا "، أنك سلّيته بذكر مصائب الناس غيره وأضفت حاله إلى حال من مصابه، كما قالت " من الوافر ":
وما يكون مثل أخي ولكن ... أسلّى النفس عنه بالتأسي
وقال سعران السلاماني " من الطويل ": ذكرت أبا أروى فبت كأني برد الأمور الماضيات وكيل وقال لبيد " من الطويل ":
فأن أنت لم ينفعك علمك فأنتسب ... لعلك تهديك القرون الأوائل
فمعنى " العزاء " اذن ما تراه " من " مقابلة الإنسان حاله بحال غيره ونسبته إياها، وهذا هو معنى قولهم: " عزوت فلانا إلى أبيه " إذا نسبته إليه، أنشدنا أبو علي " من الرجز ":
اطلب أبا نخلة مَنْ يأبوكافقد سألنا عنك من يعزوكماإلى أبٍ فكلهم ينفيكا
وعلى أنهم قد قالوا: عزيته إلى أبيه، والواو أعلى.
وفيها:
تخشى عوائده طورا وتنظمه ... نشط النواسج في أنيار حساد
قوله " أنيار " دلالة على أن عين النير ياء، وإنما ليست كعين " زير " لان ذاك من زاريزور، ولكن ليس في قوله " نيَّر " دلالة على كون العين باء، ألا ترى أنه قد يجوز أن يكون " فيْعل " كتحيز لانه " تفعيل " من حاز يحوز، كتفيهق وكذلك قوله
هو الجواد ابن الجواد ابن سبل ... أنْ ديموا جاد وإن جادوا وبل
فظاهر الأمر في " ديّموا " أنه " فَيْعَلوا " لانه من دام يدوم وعلى أن ابن السكيت قد حكى: " دام المطر يديم دَيْما "، وهذا من الياء البتة، إلا أن يحمله متعجرفا على القلب، فقد حكى أبو زيد: " ماهت الركيّة تميه ميها "، وعلة ذينك عندي أنه بناه على " فَعِلَ - يَفْعِل " كحسب يحسب في الصحيح، فلما رأى الياء ثابتة في المضارع والكسرة في الماضي، وهو " مهت " جرى في اللفظ مجرى " بعت أبيع " فأنس بالياء وصارت كأنها أصل لأنها جاءت مجيئا لا يستعمل في ذوات الواو إلا فيما شذّ وعلى قول رجل واحد أعني الخليل، فلما شذ في الاستعمال وقل القائل به لم يكد يُعتْد به فمن هنا أشبهت " بعت - تبيع " فأجرى مصدره عليه فقيل " ميها " كما قيل " بيعا "، هذا عندي أولى من أن يهجم عليه باعتقاد استمرار القلب فيه ساذجا من غير ضَعَة مُسَوَغة وعلى أنه يجوز أن يكون لغتين قد تكثر إحداهما وتقل الأخرى كما قال أبو عثمان في قولهم: " كدت تكاد كيدا وكودا " قال: " ولا يستعملون من " كَوْد " فعلا ".
والطرف في مقلة إنسانها غرق ... بالماء تذري رشاشاً بعد أجوادِ
لام " تذري " واو؛ لأنه من " الذِروة "، إلا إنك ينبغي لك أن تعلم أنه مما كنت قدّمت ذكره من باب السلب نحو: أعجمت الكتاب، وأشكيت الرجل وكذلك: أذريته عن الفرس أي سلبته ذروته كما سلبت المعجم استعجامه وكما اقلعت للمشتكي عما يشكوه فينبغي أن يضم " أذريت " على تلك الألفاظ المقدم ذكرها في هذا المعنى.
وفيها:
كما تثنى حُميا الكأس شاربَها ... لم يقض منها طلاه بعد إنفادِ
قال: " طلاه " لذته، قال: طلاه مثل ظماه ينبغي أن تكون لام " طلاه " ياء تشبيهاً بالطلى ولد الظبية للينه ونعمته ولام الطلى - ولد الظبية - ياء لقولهم في جمعه: طليان.
وفيها:
والمرسمون إلى عبد العزيز بها ... معاً وشتى ومن شَفْعٍ وفُرّادِ
" اسم الرجل في سيره " قال أبو بكر محمد بن الحسن قلت لأبي حاتم: أتجيز " أرسم البعير "، قال: لا، إنما أقول: " رسم البعير فهو راسم " من إيل رواسم. قلت فما تصنع بقوله " من الطويل ":
أجدت برجليها النجاء " وكلفت ... غلامي بعيريَّ الرسيم فارسما