التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٣١
قد أقبلت عرةُ من عراقها ... ممدودة الرجل بخاقباقها
ومثله الخازباز، وإنما هو صوت الذباب فسمي به وهذا كله شاهد للكتيت، وقد ذهب بعضهم إلى أن العبارات كلها إنما أوقعت على حكاية الأصوات وقت وقوع الأفعال، ولا ابعد أن يكون الأمر كذلك، ثم إنها تداخلت وضورع ببعضها بعض، ألا ترى إن الخضم لكل رطب والقضم لكل يابس وبين الرطب واليابس ما بين الخاء والقاف من الرخاوة والصلابة، وكذلك قَطْع وقَدْع، فقدع الإنسان قطع له عن فعله إلا أن الطاء أصفى من الدال، والقطع بالسيف. ونحوه: أصفى ضربا، وانصع فعلا من القذع الذي إنما هو كلام، وبين الطاء والدال ما بين الفعل والقول، وهذا باب إنما يصحب وبنجذب لمتأمله إذا تفطن وتأتى له ولاطفه ولم يجف عليه، ومنه قولهم: بحثت التراب ونحوه، وهو على ترتيب الأصوات الحادثة عنده، فالباء للخفقة بما يبحث به عن التراب والحاء فيما بعد كصوت رسوب الحديدة ونحوها إذا ساخت في الأرض والثاء لحكاية صوت ما ينبث من التراب فتأمله، فإن فيه غموضا. فأما قولهم: بحثت عن حقيقة هذا الأمر، وبحثت عن حقيقة هذه المسألة فاستعارة للمبالغة في طلب ذلك المعنى، ولا نترك الحقيقة إلى المجاز إلاّ لضرب من المبالغة، ولولا ذلك لكانت الحقيقة أولى من المجاز، ولقد هممت غير دفعة بتصنيف كتاب في هذا المعنى وترتيبه وكشف معانيه وطرقاته وإظهار وجه الحكمة المعجزة الدالة على قوة الصنعة فيه، ولكن الوقت لضيقه مانع منه ومن الله المعونة.
وقال عمرو بن هميل " من الوافر ":
خزيمةُ عمُّنا وأبي هُذَيلٌ ... وكلُّهُم إلى عِزٍّ وَلِيت
قال أي وليت ذلك منهم. هذا اللفظ منه ربما أوهم إن قوله " وليت " منقطعة الموضع عن إعراب ما قبلها، وليس كذلك بل وليت مجورة الموضع لأنها صفة لعزّ أي إلى عزٍّ وليته، أي كانت لي ولايته وقديمه فحذف عائد الصفة تشبيها للصفة بالصلة، ومنه بيت الكتاب " من الوافر ":
أبحت حمى نهامة بعد نجدٍ ... وما شيء حميت بمُستباحِ
وله نظائر.
(٣٠) وقال عامر بن سدوس الخناعي " من الطويل ":
ألم تسلُ عن ليلى وقد نَفِدَ العُمْرُ ... وأوحش من ليلى والموازِجُ والحَضْرُ
قال: الموازج والحضر موضعان. يجوز أن يكون الموازج فواعِلاً من مَزَجتُ كعوارض ودوارس، ويجوز أن يكون من الأزج فيكون مفاعَلاً، خففت همزته فخلصت، قال العجاج " من الرجز ":
عَنْسٌ تخالُ خلقَها المُفَرَّجا ... تشيدُ بنياناً يُعالي أَزَجا
وفيها:
وإنْ أمْسِ شيخاَ بالرجيع والْدّةً ... وتُصبحُ قومي دونَ دارهمُ مصْرُ
قال مع والده، قال وتُصبح جواب. لام أمسيت ياء لقولهم:
لكلّ همًّ من الهموم سَعَه ... والصبحُ والمسيُ لا فلاحَ معه
وقد أبدلت هذه الياء جيماً. قال:
حتى إذا ما أمسجت وأمْسَجا
وفي هذا عندي أقوى دليل على صحة ما تدعيه من أنّ العرب إذا هجرت أصلا من الأصول وانصرفت عنه فإنها تنويه وتعقيده، ألا ترى أنه لولا أن اصل " أمست " عنده أمْسَيَت لما قال: أمسجت، فإذا كان كذلك علمت به أن أصل دعت: دَعَوَتْ، وأصل قضتْ: قَضَيَتْ، فبهذا ونحوه ادعت علماء العربية إن كثيرا من هذه الألفاظ المستعملة المطردة لها أصول مرفوضة مطرحة، وإنها مع اطراحها وهجرها فإنها مراعاة معتدة وإن ظهور ما ظهر منها في بعض الأحوال دليل على تقدير نظائره وإرادة مثله مما عدا استعماله.
(٣١) وقال مُرّة بن عبد الله اللّحياني " من الوافر ":
تركنا بالمراحِ وذي سُحيم ... أبا حيّان في نفرٍ منافي
" مراح ": فِعال من المرح، وميمه أصلية، ولا يكون من الرَوَح لأنه كان يلزم فيه مِرْوَح، فيصح كما يصح نحو: مروحة ومِخْيَط لانه منقوص من " مِفعال " على ما بينه الخليل.
(٣٢) وقال إياس بن جُنْدب بن المعترض " من الوافر ":
ألا " يا " ليت شعري يا لّقومٍ ... أجَهْلْ يا أبن بجدة أم غرام