التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ١٩

" ألياً " منصوب على أنه حال لا مفعول به. أي: ولا أغربهم ألياً. أي بالغت في إغرائهم فحذف المفعول به لتقدم ذكره في قوله: " فأغريهم ". وقد يجوز أن يكون أراد: ولا أري بهم أو منهم أليا، فينصبه مفعولا به. ومن أمثال الكتاب: " إلاّ حظيَّة فلا أليّة " أي: فليست ألية. ومعناه: نفسي فداء لأصحابي المغرين. ولا ابعد أن تكون الرواية: " فدى لصاحبتي المغرين نفسي " فتحذف الياء لفظا لالتقاء الساكنين. فأجابه أُهْبان بن لُعْط بن عروة من أبيات " من الوافر ":
فليت أبا بثينة غير فخْرٍ ... شهدتُ بنى عُتيبة إذ أبيروا
حذف اسم ليت ضرورة. أراد: فليتني يا أبا بثينة شهدت بني عتيبة. ومثله ما أنشده أبو زيد " من الطويل ":
فليت دفعت الهم عن ساعةً ... فبتنا على ما خليت ناعمي بالِ
أراد: فليتك. وله نظائر.
وقال ضُبيس بن رافع العَضَلي يعيّرهم " من الطويل ":
أنتم أكلتم سحفةَ ابن مُخَرَمٍ ... حُبيش فلم يأمنكم أحد بعدي
ليس هذا باستعمال ل " لم " في المستقبل، وإنما معناه بعدما فعلتم، والوقتان جميعا ماضيان، وهذا كقولك: أحسنت إليك ثم لم أزل بعد إلى هذه الغاية مقيماً على حسن الرأي فيك، ولكنه لو قال فلن يأمنكم أحد بعد؛ لكانت " بعد " مستقبلة.
وفيها:
وقد خبَأوا جُردانه لرئيسهم ... معاوية الفلحاء انك ماشُكد
أنت لتأنيث لفظ " معاوية ". وقياسه لولا معاملة اللفظ: " معاوية الأفلح " ومثله قول الآخر " من الطويل ":
وعنترة الفلحاء جاء مُلأَماً ... كأنك فِنْدٌ من عماية اسود
ومن تأنيث اللفظ ما أنشدناه أبو علي " من الوافر ":
وما ذكر فأن يكبر فأنثى ... شديد الأزم ليس بذي ضروس
يريد: القراد. وذلك إنه ما دام صغيرا قراد، فإذا كبر قيل له حلمة. فقوله " أنثى " إنما يريد تأنيث اللفظ لا غير. ومثله مما أطلق عليه أنثى ولا حقيقة تأنيث تحته قوله " من الطويل ":
وكنا إذا الجبار صَعَّرَ خده ... ضربناه فوق الأنثيين على الكَرْدِ
يريد بالأنثيين الادنيين، ومنه قولهم لبيضتي الإنسان: الأنثيان. وهذا مما يضعف عندك التذكير في نحو: " حسن دارك "، و " اضطرم نارك "، وإن كان تأنيثا غير حقيقي، ألا ترى أنه قد أطلق لفظ " أنثى " على ما لا حقيقة تأنيث فيه إطلاقه على المرأة والجارية ونحوه، فكما لا يجوز: " قام المرأة " كذلك يضعف: " حسن دارك " فاعرفه.
وفيها:
وأنْ يجدوا يوماً على بظر أمهم ... طعاماً فلا رعوى عليه ولا قصد
وضع كل واحد من المفردين موضع الجميع أي: بظور أمهاتهم. ومنه: " من الوافر ":
كلوا في بطن بطنكم تَعِفّوا ... فإن زمانكُمْ زَمَنٌ خَميصُ
وقال: الرعوي: البُقيا، شيء يرجع إليه، أرعوي: رجع. وهذا كلام يفهم من ظاهره أن الرعوي من لفظ أرعويت، وليس الأمر فيما عند أهل التصريف كذلك وإنما هو عندهم من لفظ رعيت، وأصلها " رعيا " إلا إن اللام قلبت واواً لأن " فعلى " هنا اسم لا صفه. وقد سبق القول على هذا. وعلى أن بعض أصحابنا ذهب إلى أن " أرعويت " ليس لامه في الأصل واوا بل اصله عندهم " أرعيت " فكره اجتماع الياءين فقلبت الأولى واوا ليختلف اللفظان، وكأن قائل هذا القول شجع عليه من موضعين. أحدهما: أن معنى أرعويت من معنى المباناة والرعاية، والآخر: انه لم يأت عنهم لفظ " ر ع و "، فلما كان المعنى واحدا ولم يجد لفظ " ر ع و " في الكلام جمله على أنه من لفظ " رعيت " وأن البدل وقع رغبة في اختلاف الحرفين كما وقع في الحيوان على ما رآه الخليل.
(١٥) وقال أبو بثينة الصّاهلي من أبيات " من الوافر ":
متَى ما تَبْلُغُهُمْ يوما تجدْهم ... على ما ناب شرَّ بني الدِئيل
الئل وعرفج وضمرة بنو بكر. قال: أراد الديل فهمزه. ليس الأمر عندنا نحن كذا وإنما هو " الُئل " كَسرَّ الكلمة على " فعيل " وواحدها " دُئل " أي يجدهم شر من تسمى بهذا الاسم من بني الدئل وبني الدُوَل وبني دُئل، وكسره على الهمزة لحاجته إلى الحركة بالكسر فجاء به على الكليب والعبيد واتبع الأول الثاني بحرف الحلق كالشعير والصئين. ويروي " شربني لديل " أراد شربني ديل، فم أقحم اللام لتوكيد الإضافة كقوله:
يا بؤس للجهل ضراباً لأقوام
وفيها: