التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٩

قال " ريعان ": بلد، ويقال جبل. ريعان يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون " فَعْلان " من راع يريع إذا رجع. والآخر: أن يكون " فَيْعالا " من الرَّعْنِ كالغيداق والخيتام. فأما ريعان السراب فإنه " فَعْلان " من قولهم: تريَّع السراب، إذا ذهب وجاء، وقد قالوا فيه تَريَّه كأن الهاء بدل من العين. وأما " موهنا " فإنه متعلق بقوله منها " كقولك: " في الدار موهنا زيدٌ ". ويجوز أن يكون " موهنا " متعلقا بقوله: " بريعان " لان خبر عن أصحابي. ويجوز أن يكون " موهنا " حالا من " تلألؤ برق " كأنه في الأصل صفة له أي: منها تلألؤ برق موهنا، أي كائن موهنا ثم قدمت النكرة عليها فنصبته على الحال كقوله " من الوافر ":
لمية موحشاً طلل قديمُ
ولا يجوز أن تكون " موهنا " متعلقا بقوله: " متألق " أي متألق موهنا من قبل أن متألق صفة ل " سنا " والصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف ولا يجوز أن يكون متعلقا بنفس " تلألؤ " من قبل استحالة تقدم الصلة أو شيء منها على الموصول، ولا يجوز أيضا أن يكون " موهنا " متلقا ببرق من قبل أن المضاف لا يعمل فيما قبل المضاف إليه، ولا يجوز أن يكون أيضا متعلقا بنفس " سنا " لأن قوله في " سنا " صفة لبرق ولا تعمل الصفة فيما قبل الموصوف. وكذلك أن جعلته صفة ل " تلألؤ " الحال واحدة. وكذلك ان جعلت " في سنا " متعلقا بنفس " تلألؤ " أو بنفس برق لأنه يكون في صلته، ومحال تقم الصلة على الموصول. وقد يجوز أن يكون " في سنا " صفة ل، " تلألؤ " وأن يكون صفة لبرق وأن يكون حالا من الضمير في " متألق "، ولا يحسن أن يكون صفة لمتألق مقدمة عليه من قبل أن " متألقا " صفة، والصفات عند سيبويه لا توصف ولذلك قال أبو علي رحمه الله في قولهم: " مررت برجل عاقل ظريف " أن عاقلا صفة لرجل، و " ظريفا " صفة لرجل موصوفا بعاقل. وقوله " واصحابي بريعان " جملة في موضع نصب على الحال بقوله " منها ".
وفيها:
فَظَلّ صحابي راصدينَ طريقَها ... وظَلَّت لديهم في خباء مُروقِ
همزة " خباء " بدل من ياء لقولهم: خبيت الخباء أي أصلحته.
(٧) وهذا شعر عُروة بن مُرّة أخي أبي خراش قال من أبيات " من الطويل ":
فداني ولم يَضْننْ عليَّ بنصره ... وَرَدَّ غداةَ القاع رَدَّةَ ماجدِ
عين " القال " واوا لقولهم في تكسيره: أقواع، وأقوع وكأنه من معنى: قاع الفحل الناقة بوقوعها قياعا، إذا علاها، وذلك إن القاع كل مطمئن حر الطين. والتقاؤهما إن الأرض المنخفضة تعلوها الأشياء لانخفاضها، والأرض وغيرها تعلوها بالإضافة إليها فكأنه طروقه لغيرها.
وقال عروة أيضا من أبيات " من الوافر ":
أشَتَّ عليكَ أيَّ الأمرِ تأتي ... أتستخذي صديقَك أَمْ تُغيرُ
أي أترفق به أم تغير عليه، و " أشت " تفرق. ينبغي أن يكون فاعل " أشت " مضمرا تدل الحال عليه أي: أشت الأمر عليك أي الطريقين تركبه. وقوله: " أتستخذي أم تغير " في موضع نصب لانه مفعول " أشت " يقال: شت الشعب وأشته الله.
قال " من المديد ":
شت شعب الحي بعد التئام " وشجاك الربع ربع المقام "
وهو بدل من قوله: " أي الأمر تأتي ". ولا يجوز أن يكون قوله " أي الأمر تأتي " الجملة في موضع رفع بأنها فاعلة، وذلك إن الجمل لا تكون عندنا فاعلة، ولذلك لم يجز أن يكون قوله: " ما الكلم من العربية " إذا جعلت " ما " استفهاما، و " الكلم " بعدها خبر عنها مقامة مقام الفاعل إذا قدرت العلم بمعنى أن يُعلم في قوله: " هذا باب علم ما الكلم من العربية " حتى كأنه قال: هذا باب أن يُعْلم أيَ شيء الكلم من العربية، لأن ما أقيم مقام الفاعل جار مجرى الفاعل. فأن قلت فلم لم تجز أن تكون الجملة فاعلة؟ قيل: من قبل إن الفاعل كما يكون مُظهرا، فكذلك قد يكون مضمرا، والمضمر معرفة، والجملة الخبرية لا تكون إلا نكرة.
(٨) شعر الأبح بن مُرّة قال من أبيات " من الوافر ":
عليك بني معاوية بن صَخْرٍ ... فأنت بعَرْعَرٍ وهُمُ بضيمِ
ظاهر أمر عين " ضيم " إنها ياء للفظ الموجود لأن المستعمل من هذا اللفظ ما عينه ياء وهو " الضيم ". قال " من الطويل ":
أبي الضيم والنعمان يحرق نابه " عليه فأقصى والسيوف معاقله "
ولم اعرف تصريف " ض وم " في شيء من كلامهم.
فأجابه ساريةُ بن زُنيم الذي رُوى عن عمر " بن الخطاب " إنه قال: يا ساري: الجبل، الجبل. " من الوافر ":