التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٦

وجاز ذلك عندنا كما جاز قوله: أنا كأنت، وأنت كأنا، وكما جاز، مررت بك أنت، ونزلت عليهم هم. فكما باشرت هذه الضمائر ونحوها الجوار وهي ضمير المرفوع، كذلك جاز أن تباشر إياك الكاف في قوله: كإياك، وإن كانت إياك من ضمير المنصوب. والعلة الجامعة لجواز ذلك هي أن هذه الأسماء المضمرة أسماء في القيقة وعبارات عما المظهرات عبارة عنه وليست الصورة هي نفس الإعراب فنحتشم من وضع ضمير المرفوع موضع المنصوب والمجرور، وإذا كانت اسما جاز أن يقع بعضها موقع بعض كما يقع الاسم الواحد مرفوعا تارة ومنصوبا أخرى ومجرورا تارة، وان كان أكثر الاستعمال ان يَخُص كل واحد من هذه الأسماء بموضع من الإعراب خلافا على الظاهر، فكذلك يجوز ان يكون أيضا قوله " فقدني وإياهم " موضع " إياهم " جر على موضع " ني " من " قدني "، كما كان الضحاك فيمن جره عطفا على الكاف في " حسبك ". وعلى أن " إياهم " هنا أسهل من " الضحاك ". ألا ترى أن " إياهم " لا يبين فيه حقيقة إعراب وقد وقع أيضا نفسه في موضع جر في قوله: " ولم يأسر كإياك آسِرُ "، فكأنه لا فرق بين المنصوب والمجرور في هذا. وليس كذلك " الضحاك " لاختلاف حالي نصبه وجره، فإذا جاز " فحسبك والضحاك " كان " فقدني وإياهم " على أن " إياهم " موضع جر أجوز لا سيما ولم يظهر في " فقدك " إعراب. فالكاف في " قدك " أشبه بالمنصوب من كاف " حسبك "، فكأن " إياهم " وان كان مجرور الموضع نصيبه. فان قلت فقد وقع الإجماع على أن ضمير المجرور لا يكون مفصولا، وأنت فصلته في هذا الموضع، ألا تراك انك لا تقول: " مررت بزيدٍ وَكَ "، ولا " لقيت غلامه وها " أي وغلامهما. فالجواب إن هذا إنما جاز لان لفظه لفظ المنصوب وان كان مجرورا. كما أن " أنت " من قولك: " مررت بك أنت "، مجرورة لوقوعها توكيدا للكاف المجرورة، و " أنت " كما تراه منفصل. وإنما جاز ذلك لان لفظه لظ المرفوع المنفصل، وكذلك يجوز أن يكون " إياهم " من قوله: " فقدني وإياهم " ضميرا مجرورا وان كان مفصولا لمجيئه على لفظ المفصول. واما قوله " يكونوا كتعجيل السنام المسرهد " فانه يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون " التعجيل " مصدرا لعجَّلت، فيكون المضاف إذن محذوفا كأنه قال يكونوا كذي تعجيل السنام، و " ذو تعجيله " هو السنام، فكأنه قال يكونوا كالسنام المسرهد. فهذا وجه ظاهر. والآخر أن يكون " التعجيل " اسما من هذا المعنى لا مصدرا، فقد جاء التفعيل اسما لا مصدرا ومن ذلك: التمييز والترغيب لقطع السنام. وقال أبو عمرو الشيباني التمييز: خيط المظلة. وقال أبو زيد: التأويل واحدته تأويله وهي أوعية برز بعض النبت يكون كقرون الكباش، ومثله التنبيت. فيكون على هذا " التعجيل " كالترغيب وزنا ومعنى فأعرفه.
(٤) وهذا شعر المُعَطَّل وقد تروى لمعقل بن خُويلد. قال " من الطويل ":
لَعَمْرك لقد نادى المُنادى فراعني ... غَداةَ البُوين من بَعيدٍ فأسمعا
فيها:
جَواداً إذا ما النَّاسُ قَلَّ جَوادُهُمْ ... وسُفّاً إذا ما صَرَّح الموتُ أرْوَعا
أوقع المضاف اسم جنس وهو قوله " جوادهم " ومثله قولهم: " منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت مصر إردبها ". ومنه قول الله سبحانه: (وقالت اليهودُ يَدُ الله مغلولةٌ، غُلَّت أيديهم) معناه نعمته أي نعمة. وأنشد أبو الحسن:
الخالطين لجينهم بنضارهم ... وذوي الغنى منهم بذي القَقْرِ
أي بالفقراء. قال " والسلف " ضرب من الحيات خبيث، ويقال انه الشجاع. ينبغي أن يكون تسميتهم الحية سفاً من قولهم: " أسفَّ الطائرُ " إذا دنا من الأرض في طيرانه وذلك لمباشرة الحية الأرض بطنه، وليس يبعد جسمه من الأرض بُعْدَ ما يمشي على رجليه. فان قلت: كيف خص بهذا الاسم بعض الحياة دون بعض وهو معنى شائع في جميعها؟ قيل هذا لا يلزم في طريق الاشتقاق، ألا ترى انهم يقولون أن القارورة إنما سميت بذلك لاستقرار الماء فيها. وليس يلزم من هذا أن يقال لكل ما استقر فيه شيء قارورة، ألا ترى انه لو لزم ذلك لوجب أن تسمى البئر قارورة لاستقرار الماء فيها، وان يسمى الصندوق قارورة لاستقرار المال فيه أو المتاع فيه، وان يسمى البحر قارورة لاستقرار الماء فيه. وكان اللبس يعظم والبلاء يتسع ويشمل.
وفيها:
فقُلْتُ لهذا الدَّهْرِ انْ كُنْتَ تاركي ... بخيرٍ فَدَعْ عَمْراً واخوَتَه معا