التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٥٣
" من " في قوله: " ومن رأيه " متعلقة ب " يشج " أي إنما سار وأرتحل برأيه، ومن أجل فضله ويمنه، وأما " عَلامها " بفتح العين فينبغي أن يُحمل على إنه أراد عملها فأشبع الفتحة فنشأت بعدها ألف كقولهم في " أمين ": آمين، وفي " بين ": بينا، وفي قولهم: جيء به من حيث وليسا أي: وليس، وفي قوله " بمنتزاح " وهو يريد " منتزج ": مُفتعَل، من النزح وقد قالوا في جمع " عَلَم ": عِلام، كجبل وجبال، فيجوز أن يكون " علامها " وأما تفسيره قوله: " أغر سماويّ " بأنه سحاب نشأ من قبل السماوة: فساقط، وذلك إنه قد فارق صفة السحاب وانتهى إلى المدح لعبد العزيز بن عبد الله بن خالد بم أمية بن أسيد ألا تراه قال: " أغر سماويّ إليه زمامها " وهذا أمر يخص المدح، ولا معنى للسحاب هنا، ولكن يجوز أن يريد ب " سماويّ " إنه ينسبه إلى السماء ومعالي الأمور كقول الله تعالى: (ما هذا بَشَراً إنْ هذا إِلاُّ مَلَكْ كريم) .
وفيها: شَمِتَّ بقتلي مالك وهجوتها عليك خزايا قوم لوط وذامُها قد قالوا في جمع " أذية ": أذايا، فيجوز أن يكون " خزايا " جمع " خزية " فقد كسروا " فَعْلَة " على " فعائِل " ككنّة وكنائن.
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل "
لليلى بذات البين دار عرفتها ... وأخرى بذات الجيش آياتُها سَطْرُ
هكذا رواه " البَين " بالفتح، ورويناه عن أحمد بن يحيى وغيره " البين " بكسر الباء، قال: " سفر " كتابٌ غفل، أي: دَرَست فصارت أعلامها إغفالا، ينبغي أن يكون السفر من قولهم: سفرت البيت، أي: كنسته، فكأنه كنست الكتابة من الشطرين فصار غفلا بعد أن كان بها معلما.
وقال أبو صخر أيضاً " من الطويل ":
بأهلي من أمي على نأبه شكلا ... ومن لا أرى في العالمين له مثلا
فأقسم بالله الذي اهتزّ عرشه ... على فوق سبع لا اعلّمه بُطلا
بأن لليلى في الفؤاد عَلاقةٍ ... على اليأس يوماً ما سقى الشَرَبُ النخلا
أخلص " فوق " اسماً، إلا تراه أدخل " على " عليها، فعلى هذا يجوز أن تقول " فوقُك رأسك " كقولك: " أعلاك رأسك "، و " أعلاك " مرفوع بالابتداء، وقوله: " على فوق سبع " يدفع إنشاد أبي علي بيت الكتاب " من الطويل ":
له ما رأت عين البصير وفوقه ... سماءُ الإله فوقَ سبع سمائيا
وكان يقول أن السابعة هي العرش وهي التي أراد بقوله: " سماء الإله " وقوله: " لا اعلمه بُطْلا " منقول من " علم " المتعدية إلى فعول واحد بمعنى " عرف " كقول الله سبحانه: " ولقد علمتم الذينَ اعتَدَوْا منكم في السَّبْتِ " أي: عرفتم، ألا تراه عدّاه إلى مفعولين أحدهما الهاء والآخر " بطلا " ولو كانت منقولة من المتعدية إلى مفعولين لوجب أن تَخَطّى إلى الثالث لأن تلك منى تعدت إلى أثنين لم يكن بد من الثالث إجماعا، وإنما الخلاف هل يجوز الاقتصار على المفعول الأول دون الثاني والثالث أوْ لا؟ وقوله: " على اليأس يوما "، فاليوم هنا لا يراد به ما يشفع الليلة من بياض النهار خاصة، وإنما الغرض فيه هنا الدهر عموما أيامه ولياليه كقول الآخر " من مجزوء الرمل ":
حبّذا العرصات يوماً ... في ليالٍ مقمرات
وقد تقدم ذكر نظير.
وفيها:
ترى الشيب بالأصال يمشون نحوه ... يحيّونه كَهْلاً، ومَنْ لم يكن كهلا
" مَنْ " هنا نكرة لأنها معطوفة على " كهلاً " وما بعد " مَنْ " صفة لها وموضعه من الإعراب نصب، فأما " كهلا " فإن شئت جعلته حالا أي: كهولاً وغير كهول، فوضعت الواحد في موضع الجميع كقوله سبحانه: " ثم يخرجكم طِفْلاً ". وقد تقدم ذكره، وأنْ شئت جعلته تمييزاً كأنه أراد. حييونه من كهول وغير كهول، ولا يجوز أن يكون " كهلاً " حالاً منه لفساد معناه.
وفيها:
أتى أُمَّه قد واعَدَ الغزو فتيةً ... كِراماً نثاهم لا لئاماً ولا عُزّلا
لام " النثا " واو لقولهم: نثا الخير ينثوه نثواً.
وفيها:
بضربٍ يُطاطي البيضَ من فوق رُؤْوسِهم ... إذا أكرهت فيهم سمعت لها قَصْلا
قال: " قصْلاً " أي قطعاً، هو عندي على حذف المضاف أي صوت قصل، لأن القصل نفسه لا يدركه السمع وكسَّر رأساً على " رؤس " كقوله " من الطويل ":
فيوماً إلى أهلي ويوماً إليكم ... ويوماً أمر الخيل رؤس أجبال