التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٥٢
ونحو ذلك، فأنا لم نجده معترضاً بين الجزأين المركبين في نحو معدي كرب وقاليقلا ومارسرجس، ولا فيما أصلح فيه الجزء الثاني الجزء الأول لمباشرة " ما "، لولا الثاني لم يباشره نحو: ربما قام، وقلما زارنا، وبعدما أفنان رأسك كالثغام، وإذا كان هذا مفقودا غير موجود لم يجز أن يحمل بيت أبي صخر عليه، فأما الفعل المصلح للفعل بعدهما في قولك: " قَلّما زرناك "، فإنه عندنا لا فاعل له وذلك أن " ما " المضمومة إليه كفّته عن اقتضائه الفاعل وأصارته إلى حكم آخر، وقد تقصى هذا في عدة أماكن من كلام أبي علي وكلامي فتركت الإطالة بذكره.
وفيها:
سمون بنا يَحْتَبْنَ كُلَّ تنوفة ... تَضِلّ بها عن بيضهن القطا الكُدْرُ
لا يجوز أن تكون " تنوفة " من النوف ولا من " أناف على كذا " أي: علاه؛ لأنها لو كانت منه لوجب تصحيحها لموافقة الزيادة في أولها زيادة الفعل وللزم أن تقول: تَنْوَفَة ك " تَدْوَرَة "، وتصحيحها أيضا في التكسير فتقول تناوِف كمعونة ومعاوِن، فهي إذن من لفظ " ت ن ف "، ولا اعرف لهذا الأصل استعمالاً في غير هذا الموضع.
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل ":
عفت ذاتُ عرْق عُصلُها فرئامُها ... فدهناؤها وَحْشٌ وأجلى سوامُها
فيها:
كأنّ على أنيابها من رُضابها ... سبيئاً نفي الصفراء عنها أيامُها
قال: سبيئاً عسلاً، والصفراء: النحل، والأيام: الدخان، حدثنا أبو علي يرفعه إلى بعض أصحابنا قال: يقال " آمَ العسّال الوَقْبَةَ يؤمها أياما "، وذلك إذا دخن عليها ليخرج النحل فيشتار العسل، والأيام على ما ترى مصدر وعينه في الأصل واو، وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن في نوادر أبي عمرو الشيباني، قال: الأيام العُودُ الذي فيه النار يُدَخَّنُ به على النار، وذكر السكري هنا إنه الدخان نفسه، والذي يجمع بين هذه الأقاويل إنه في الأصل مصدر فسمي به مرة الدخان ومرة العود الذي يدخن به، ولو كسرته على " أفْعِلة " كانت عينه آومة وعلى " فُعلان " لقلت: أومان وعلى " فُعْل ": أُوم.
بماذيّةٍ جادت لها زَرَجونةٌ ... معتَّقَةٌ صهباء صافٍ مدامُها
قال: ماذية عسل أبيض، ينبغي أن تكون ماذية " فاعولة " من مذى يمذي، إذا سال، وذلك لرقة العسل، وكأنها شُبّهت بالمذي لرقتها وبياضها، وكذلك عندي ما جاء في شعر هُديل من الماذية يراد به المرآة وذلك لبياضها وما عليها من ماء الصقال، فكأن ماء يسيل عليها، يدلك على ذلك قولهم لها: الماوية، فهي منسوبة إلى الماء لما ذكرنا.
بعقب سرَى في مُزنة رَجَبيَّةٍ ... بقاع حنيّ يومَ أجلى غمامُها
أي: يعقب سحاب سرى، فحذف الموصوف وقد تقدم شرحه قبل، وحنيّ: " فعيل " من حنوت، وليس يحسن أن تجعل " حنيّ " جمع حنيّة تعني القوس، وذلك إنهم إنما يصفون القسيّ بأن منابتها الأشعاف وأعالي الجبال والقاع منخفض، فأما كان " حنيّ " مكاناً مخصوصا، وأما كان نبتاً متحنياً لعلوه وكثافته.
وفيها: فطهر منهم بطن مكة ماجدٌ أبيٌّ شراة الضيم حين يُسامها قال: الشراة الحد، ينبغي أن يكون لامها ياء حملا على الأكثر ولا يمنع أيضا فيه الواو.
ومن رأيه ذي الفَضْلِ واليمن والتقى ... أغر سماوي إليه ذِمامُها
قال: سماوي سحاب نشأ من ناحية السماوة.
يشج بها عرض الفلاة تعسفا ... وأما إذا يخفى من أرض علامُها