التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٥١
على تحقير الترخيم كزهير من أزهر، وسويد من أسود، دون أن يكون عندك من تحريف الضرورة. قيل يمنع من تحقير سليمان إنما هو تحقير سلمان، وإذا كان تحقيرا لم يجز تحقيره كما لا يحقر نحوه: كُليب وجُعيفر، فإذا كان كذلك كان تحريفا لا ترخيما، فكذلك قوله في البيت الثاني " جميلة " وفي الأول " جُمْل " هو من التحريف الذي تقدم ذكره، ولو كان مكانه " جميلة، لكان أسهل لانه كان يكون تحقيرا بعد تكبير كقول القطامي " من البسيط ".
أمست عُلية يرتاح الفؤاد لها ... وللرواسم فيما دونها عمل
مع قوله " من البسيط ".
المحة من سنا برق رأى بصري ... أم وجه عالية اختالت به الكلل
ف " 'ثليّة " ينبغي أن يكون ترخيم " عالية ".
وفيها:
وَبَلَّ الندى من آخر الليل جبها ... إذا استوسنت وأستثقل الهدف الهِدْرُ
قال: " الهدر " الثقيل، وكذلك الهدف، ينبغي أن يكون الهدف من قولهم: " هنا هدف الرمية "، كأنه لثقله وقلة تصرفه منصوب للمصائب والنوائب، وليس معه من الحركة والتصرف ما يتقي به نوازل ما يكرهه، وكذلك الهدر من الشيء المهدر أي: المطرح أي ساقط، وأما " استوسنت " ف " استفعلت " في معنى الثلاثي أي: وَسنت تونس، وكذلك " استثقل " وقد تقدم ذكر مجيء " استفعل " في معنى " فَعَل ".
وفيها:
بأسفنط كَرْم ناطفٍ زَرَجونه ... يعقب سرّى جادت به مُزُن قُمْرُ
قال: أراد بعقب سحاب سرى، قال: واسفنط رومي اسم الخمر، أما " سرّى " فعلى إقامة الصفة مقام الموصوف، ومثله قوله:
مالك عندي غير سهم وحَجَر ... وغير كبداء شديدة الوتر
جادت بكفى كان من أرمى البشر
أي: بكفى " رجل " كان من أرمى البشر، وأغلظ من هذا قول الآخر:
والله ما زيد بنامَ صاحبه ... ولا مخالط الليان جانبه
أي: " بإنسان نام صاحبه "، فحذف الموصوف وباشر بحرف الجر نفس الفعل، وليس " نام صاحبه " بعلم ك " تأبط شرا " و " ذرّى حبا " و " جلا الصبح " ولو ذلك يدل على ذاك قوله معه: " ولا مخالط الليان جانبه " فمعناه، إذن: " ما زيد بنائم صاحبه ولا مخالط الليان جانبه "، وما فائدة ذلك؟ قيل: معناه ألا أنه لا يصاحب إلا النجباء الأذكياء مثله دون دون الثقال البلداء وهذه عادة للشعراء، قال " من البسيط ":
وقد أصاحب فتيانا شرابهم ... خضر المزاد ولحم فيه تنشيم
وقال في نحوه " من البسيط ":
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مثلٌّ شلول شلشلٌ شول
وأنشد أبو زيد " من الرجز ": وصاحب نبهته لينهضا إذا الكرى في عينه تمضمضا
فقام عجلان وما تأرضا ... يمسح بالكفين وجها أبيضا
وهو كثير، وقد يجوز أن يكون صاحبه قلبه أي هو يقظان الفؤاد، والقول الأول أظهر، وأما " أسفنط " فأجتمع الناس على أنه رومي إلا ابن الأعرابي فإنه قال هو عربي وأخذه من " سَفطَت نفسي " أي: طابت، وهو أسفط نفسا من فلان، وذلك لطيب الخمر، فإن كان كذلك فقد ثبت به مثال لم يأت به صاحب الكتاب، ألا ترى أنه لم يذكر في الأمثلة " إفْعنْل "، وينبغي أن يكون العمل على ما أطبقت الجماعة عليه.
وفيها:
فَقَلَّ به ما عرّسوا ثم أنهجت ... لمنزلة أخرى بهم طُرُقٌ غُبْرُ
ليست " ما " هذه " ك " ما " في قوله: " قلما زرتني " و " قلما لقيت زيداً "؛ لأن " ما " من " قلما زرتني " حذف لوقوع الفعل بعده كما أصلحت " ما " حرف الجر وهيّأته لوقوع الفعل بعده في قول الله سبحانه: " رُبَّما يَوَدُّ الذينَ كفروا لو كانوا " وقوله:
ربما أوفيت في عَلَم ... تَرْفَعَنْ ثوبي شَمالاتُ
وكما أصلحت الظرف للجملة من غير إضافة في قوله " من الكامل ":
أعلاقةً أمَّ الوُلَيِّدِ بعدما ... أفنان رأسك كالثغام المُخْلسِ
وليس كذلك " ما " من قوله: " فَقَلَّ به ما عرسوا " إنما هذه ما المصدرية في قولك: " عجبت مما صنعت " أي: من صنيعك، و " مما قمت " أي: قيامك وهي مرفوعة ب " قَلَّ " يدل على ذلك فصله بينها وبين " قَلَّ " بالظرف، وهذا الفصل إن وجد بين المضاف والمضاف إليه وبين حرف الجر وما جره في قوله " من الطويل "
ف لو كنتُ في خلقاء من رأس شاهق ... وليس إلى منها النزول سبيل