التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٥٠

لا تكون " حياتي " بدلا من " ما نزل الركبان " لاختلاف مقداريهما وفساد المعنى مع البدل، وذلك أن حياته إنما مدتها عمر إنسان وذلك معلوم القدر، وما نزل الركبان يطول جدا مدته، وكذلك مدة خوض الكواكب الظلام، فأن قلت: فإذا كان الثاني أقل من الأول جاز إبداله منه كنت " ضربت زيداً رأسه "، وإنما يقبح إبدال الأكثر من الأقل ك " ضربت رأس زيداٍ زيداً " لسلب الإنسان والعود إلى الاستبهام قبل: لعمري أن إبدال الأقل من الأكثر سائغ، إلا أنه في هذا الموضع فاسد وذلك إنه يقول إنه لا يزال يروى قصائده فيه أبداً، فإذا عاد فقال بل مُدَّة حياتي، فقدر حياته بالإضافة إلى امتدادا الدهر لا يعتد أصلاً تراجع عمّا تمدّح به وأوجب الحق بشرطه إِياه على نفسه، فإذا كان كذلك كان " حياتي " منصوبا على الظرف بفعل محذوف دل الكلام عليه، فكأنه قال فيما بعد: أمدحه حياتي فأن مت روى الرواة مَدْحي فسار بعدنا أبداً في الشرق والغرب، وأما " ثنائي " فمنصوب لأنه مفعول ليس ثنى ثان، قال كثير " من البسيط ":
أمسى تراث أبن ليلى وهو مقتسم ... في أقربيه بلا مَنٍّ ولا ثمنِ
ورثتهم فتسلَّوا عنك إذ ورثوا ... وما وَرَثْتك غير الهم والحزنِ
وقالت " من الطويل ":
مضى وورثناه دريس مفاضة ... وأبيض مصقولا طوالاً محامله
وأما " مِني " فكان أبو علي رحمه الله يقول: إن لامه ياء وكان يشتقه من " منيت الشيء " إذا قدرته من قوله:
حتى تلاقي ما تمني لك الماني
أي: يقدر لك المقدر، وكان يجمعهما بأن يقول انها إنما سميت " منى " لأن الناس يقيمون بها فيقدرون أمورهم وأحوالهم فيها، وهذا صحيح مستقيم.
وفيها:
إذا عشت لي حتى أموتَ فلا أسَلْ ... خلافك في عيش وما حُمَّ واجبُ
لك في " أسل " وجهان، أحدهما: إنه أراد الرفع فلا أسل خلافك فاسكن لكثرة الحركات كقوله " من السريع ":
فاليوم اشربْ غير مستحقب ... إِثماً من الله ولا واغل
والآخر: أن يكون أراد الدعاء، أي: فلا سألت، فجزم لذلك، ودخول " في " هنا حمل على المعنى؛ لأن معنى: " سألتك في كذا " رغبت إليك فيه، فلما دخله هذا المعنى جاز فيه " في "، كقول الله سبحانه: " الرفثُ إلى نسائِكم "، وقد تقدم ذكره.
وفيها:
حَدَث مُزْنَةٌ من حضرموت مرتَّةٌ ... ضَجوعٌ لها منه مُربٌ وحالبُ
قال: " حضرموت " لغتهم، فيه عندي قولان، أحدهما: أنه لما كان علماً ومركباً دخله تغيير الفتحة إلى الضمة كأشياء تجوز في الإعلام مختصة بها كت " موهَب " و " تهلَل " و " حيوَة " و " معدى كرب " و " مكوزة "، وغير ذلك، والآخر: أن يكون لما رأى أن الاسمين قد ركبا معا وجربا مجرى الشبه ثم الشبه بينهما فضم الميم ليصير " حضرموت " على وزن " عَضْرَفُوط "، فإذا فعلت هذا ذهبت في ترك صرفه إلى التعريف والتأنيث للبلدة، وذلك إنه وإن كان في الأصل مركبا فقد صار فيما بعد إلى وزن الواحد، وباب ما لا ينصرف أغلب أسباب منعه الصرف إنما هو شبه اللفظ كت " أحمد " و " يعفر " و " تنضُب " علما، وفي القول الأول منعْتَ الصرف للتعريف والتركيب كت " بعلبك " وبابه.
وقال أبو صخر أيضا " من الطويل ":
عفا سَرّفٌ من جُمْلَ فالمرتمى قَفْرُ ... فَشِعْبٌ فأدبار الثنيّات فالغَمْرُ
فخيفُ مِني أقوى خلاف قطينه ... فمكة وحْشاً من جميلة فالحِجْر
الشعراء تغير وتحرف الأعلام لإقامة الأوزان من ذلك قولها " من الطويل ":
اقلب طرفي في الفوارس لا أرى ... حزاقا، وعيني كالجارة من القطر
قالوا: أرادت حازوقا فقالت: حزاقا، وقال " من الطويل ":
أبوك عطاء ألأمُ الناس كلهم ... فقبح من فحل، وقبحت من نجل
يريد: عطية، وقال " من الوافر ":
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علِقتْ بثعلبة العلوق
يريد: ابن سيار، وقال " من الكامل ":
ودعا بمحكمة أمين سكها ... من نسيج داود ابي سلاّمِ
يريد " أبي سليمان "، وكذلك قوله عندي " من الطويل ":
وكل صموت نثلة تبعية ... ونسج سُليم كُلَّ قضاء ذائل