التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٥
ويروى: فرع قان. وقال: القان الشجر التي تعمل منه القسي. كان أبو علي - رحمه الله - يجعل عين " القان " ياء ويأخذه من: قَيَّنْتُ السيئ، أي حسنته وزينته، ويذهب على أن الشجر يُحَسنُ موضعه ويجمله. وليس يبعد عندي أن يكون القين وهو موضع القيد من هذا، وذلك انه بمنزلة الخلخال والسوار من المرأة وهما للجمال والزينة. قال ذو الرمة " من البسيط ":
دانى له القيدُ في ديمومة قَذَفٍ ... قينية وانحسرتْ عنه الأناعيم
ويكشف لك عن حقيقة ما نحن بسبيله قول أبى نواس " من الطويل ":
إذا قام غنّته علي الساقِ حليةٍ ... لها خطوة عند القيام قصيرُ
فجعل القيد حلية، أي هو في مكان الحلية من لابسها، وهو أيضا من جوهر الرض كالفضة والذهب.
نجز ما خرج من شعر عمرو بن الداخل.
(٣) وهذا شعر أبي ذَرّة قال الأصمعي: أبو ذُرَّة " من الرجز ":
يا أيُها الشَّاعِرُ لا يُسْمَعْ لكا ... أعجلتني ولم اكنْ أحفِلْ لكا
ليس قوله في القافيتين: " لكا، لكا " ايطاء، وذلك ان حرف الجر يتصل بالفعل قبله حتى يصير كجزء منه وذلك نحو: مررت بك، ونظرت إليك. ويدلك على أنه معه كالجزء الواحد أشياء منها: إن عبرة الفعل الواصل بحرف الجر عبرة الواصل بنفسه، ألا ترى إن مررت بزيد بمعنى جزت زيدا، ونظرت إلى عمرو بمعنى أبصرت عمرا. ومنها أنك تختار مع حرف الجر من النصب ما تختاره مع الفعل الواصل بنفسه فتختار أزيداً مررت به، كما تختار: أزيداً رأيته. ومنها أن حرف الجر هذا قد عاقب ما هو مصوغ في الكلمة حرفا منها، ألا ترى انك تقول: ذهبت بزيد، فمعنى الباء معنى همزة أفعل إذا قلت: أذْهَبتْ زيداً، وكذلك: علوت به وأعليته. نعم ويعاقب أيضا عن الفعل في قولهم: سرت بزيد، وسيّرت زيدا، وسبقت بزيد، وسبقته. ولهذا أشباه، فإذا جرى حرف الجر مجرى جزء من الفعل الذي اتصل به صار بضعة منه وطرفا له فصارت المعاملة في القافية إذن إنما هي مع الفعلين لا مع الحرفين الجارين المتصلين بهما، فكأنه لا يسمعك ولا يحفلك. وإذا كان كذلك فقد اختلفت القافيتان، ولم يكن هناك إيطاء.
وقال أبو ذَرَّة " من الرجز ":
الجدّ هُوَّ أي بني خُزَيمة ... أنْ يُنزلوني سواء الخيمة
يجوز أن يكون معناه " الجد "، ثم حذف همزة الاستفهام تخفيفا و " هُوَّ " خبر " الجد "، وهو ضمير ما كانوا عليه نظير الضمير في قوله: " إذا كان قد غدا فاتني "، وقوله " أن تمزلوني " بدل من " هُوَّ " وهذه لغة في " هو " أعني الثقيل. ويجوز أن تكون الرواية " هُوٌ " أي تكسير " هاوٍ " أي محب، أي يا محبي.
وقال أُسيد بن أبى إياس من قصيدة " من الطويل ":
وأكسى لثوبِ الخالِ قَبْلَ اعتراكِه ... وأعطى لرأس المنهبِ المتجِردِ
عين " الخال " ياء لانه يختال فيه فهو من الخيلاء الأخيل. وفيها:
فَقَدْني وإياهم فانْ ألْقَ بَعْضَهُمْ ... يكونوا كتعجيل السَّنامِ المُسَرْهَدِ
عطف " إياهم " على المعنى وذلك أن " ني " من قدني، وان كانت مجرورة بإضافة " قد " إليها فإنها - في المعنى منصوبة، ألا ترى أن معنى " قدك " ليكفك، و " قدني " بمعنى ليكفني. موضع " قد " من قدك رفع بالابتداء تقول: قدك درهمان، كقولك: حسبك درهمان، وإذا جاز أن تتصور في حسبك وهي معربة معنى ليكفك كان اعتقاد ذلك مع قدك المبنية أخرى، ألا ترى إلى قوله " من الطويل ":
إذا كانت الهيجاءُ وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند
ألا ترى انه محمول علة معنى: فليكفك والضحاك. ومن جر " الضحاك " عطفه على الكاف ضرورة. ونحوه قول الله سبحانه: (إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ) . لما لم يحسن عطفه على الضمير المجرور حمله على المعنى فصار تقديره: ننجي أهلك. ويجوز فيه عندي وجه آخر وهو أن يكون إياهم في موضع جر وان كان لفظه للضمير المنصوب. ألا ترى غلى قوله " من الطويل ":
فأحسن وأجمل في أسيرك إنه ... ضعيف ولم يأسر كإياك آسر