التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٤٩
قال إنما أراد فارسم الغلامان بَعيريهما، وقد ترى بيت أبي صخر هذا يدل على " أرسم الرجلُ بعيره " كما قال أبو حاتم، وأرادوا " المرسموها " ثم زاد الباء ففصل ما بين الفعل ومفعوله بها كقول الله سبحانه: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهْلُكَة " وينبغي أن يكون انتصاب " معاً " و " شتى " على التمييز لا على الحال، ألا ترى أنه عطف عليه ما وجهه التمييز وهو قوله " ومن شفع وفراد " ودخول " من " في الكلام تؤذن بصحة التمييز، ويدلك على جواز دخول " من " على " مع " ما حكاه صاحب الكتاب من قول القائل " مِنْ معه "، وحكى غيره: " كنت معهم فانصرفت من معهم "، كما جاز أن تدخل " من " عليها مضافة كذلك أيضا يجوز دخولها عليها وتقديرها فيها مفردة بل كونها مفردة أقرب بها إلى التمكن، ألا ترى إلى قول الله سبحانه: " ثُمَّ لنَنْزِعَنَّ من كلِ شيعةٍ أيُّهم أشَدّ " ولا: " أي أشد " لأنه بالإفراد إلى القياس وهو الإعراب، وأما الخليل وينس فكانا يقولان فيما حكاه عنهما: " أضرب أيٌّ أفضل " فيرفعان وذلك إنهما كانا يريانه مع الإضافة مُعرياً فأقرّاه على ذلك مع إفراده، وغرضنا نحن مذهب سيبويه لا غير وكان أبو علي رحمه الله يستنكر قول من قال: إن الإضافة أحجى بإيجاب البناء من الإفراد، ألا ترى إن المضاف واقع موقع صدر الكلمة، وصدر الكلمة جزء منها، فهو بالحرف أشبه، وكان يستدل على أن الإضافة لا توجب الإعراب ببناء " أيُّهم " مع إضافتها وبناء " كم " في قولهم: " كم درهم لك " مع كونها مضافة. وقد يجوز أن تكون " من " في " شفع " زائدة على قول أبي الحسن بزيادتها في الواجب، فكأنه قال: " معاَ وشتى وشفعاً وفراداً " فينتصب حينئذ أن شئت على الحال، وأن شئت تمييزاً.
وفيها:
بجسْرَةٍ كفنيق الشَّوك مُدْمَجة ... أو دَوْسَرٍ مثل علج العانِ وَخّادِ
" العان " جمع عانة، وعين الفعل منها واو لقولهم في الجمع: عُون كقارة وقُور، وقالوا: استعان الرجل إذا حلق عانته، ويجب أن تكون عين العانة هذه واوا لقولهم في تحقيرها: عُوينة، وأما المعونة ف " مَفْعَلَة " من " العَوْنِ "، وقال بعضهم: هي " فَعُولَة " من " الماعون ". ويفسد هذا القول تكسيرهم إياها على " معاوِن "، ولو كانت " فَعولة " لوجب الهمز: " معائن " كجلوبة وحلائب، وليس أحد يقول: حلاوب، ولا عجاوز، وهذا واضح.
وقال " من الطويل ":
قطعتُ بهن العَيْش والدَّهرَ كُلَّهُ ... فجّر ولو طلت إليك المناسِبُ
قال: " طلت " حسنُت، وأعجبت، من هذا عندي قولهم لامرأة الرجل: طلّته، لأنها تعجبه وتحسن في عينه.
وفيها:
فأقسم لا تنفك مني قصيدة ... تُثبّى لها ما صاح في الجو ناعب
لام " تثبى " واو عندنا لأن منه " الثُبّة " وهي الجماعة فمعنى تثبى له يكرر ذكرها شيئا بعد شيء، وأنشد:
كم ليَ من تدرِّاٍ مذَب ... أشوس أبّاء على المثبي
وقال لبيد " من الطويل ":
تثبّي بناء من كريم وقوله ... ألا انعم على حسن التحية واشربِ
ووجه الدلالة من " ثبة " على أن اللام واو أن الثُبَة محذوفة اللام وقد وصى أبو الحسن بحمل ما حذفت لامه وأشكلت على الواو، قال لكثرة ذلك وإنه أكثر من الياء.
وما نزل الرُّكبان بالخّيفِ من مِني ... ثلاثاً وما خاضَ الظلامَ الكواكِبُ
حياتي وأن يصبح صداي يقفرةٍ ... تَجُرُّ عليه المعصرات الحواصبُ
يرثني له الراوون من بعد موتتي ... ثنائي يعيه مشرقٌ ومغاربُ