التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٤٧

قال: يريد " وُدّى " وهي لغته، قال والرّيق من الرَوق وهي أوله. ينبغي أن تكون " أنْ " هذه مخففة من الثقيلة لا التي تنصب الفعل، " فتلك " تختص بالفعل وهذه بعدها الاسم المبتدأ وخبره " أشيب " فإنما هي ك " أنْ " في قوله " من البسيط ":
في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أنْ هالك كل من يحفى وينتعل
فكذلك هذا البيت كأنه قال: إلى أنه رأسي أشيب، وأما الريق فمحذوف بمنزلة مَيْت من ميّت.
وفيها:
ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... ومن دون رَمسينا من الأرض مَنكِب
لام " الأصداء " ياء لاستمرار الإمالة في الصدى، وقد تقدم هذا.
وقال أبو صخر أيضا يمدح أبا خالد عبد العزيز بن عبد الله بن خالد ابن أسيد " من البسيط ":
أرائحٌ أنت يوم اثنين أم غادي ... ولم تُسَلِّمْ على ريحانة الوادي
حكى سيبويه: " هذا يوم اثنين مباركا فيه "، واستدل بانتصاب الحال بعده على تعريفه، وينبغي أن يكون بيت أبي صخر هذا على تلك اللغة، وفيه على هذا تعريفان، أحدهما: باللام تعريف الحارث والعباس، والآخر: تعريف العلمية والوضع كزيد وبكر كما أن عروبة والعَروبة للجمعة كذلك قال " من الطويل ":
فبات عذوبا للسماء كأنما ... يوائم رهطا للعروبة صيّما
وقال " من الوافر ": أؤمل أن أعيش وأن يومي بأول أو بأهون أو جبار
أو التالي أخوه دبار أولا ... فمؤنس أو عروبة أو شتلر
ومنه قولهم للمنية: شعوب والشعوب، وحكى أبو زيد: " ما ألقاه إلا فينة والفينة "، ونظائره كثيرة واسعة. وأما " الريحان " ففيه قولان، أحدهما: أن يكون أصله: ريّحان " فَيعلان " من الروح ثم قلب في التقدير فصار " ريّحان " كهيّبان وتيّجان، فلما اعتل وطال الزموه حذف عينه تخفيفا كما ألزموا حذفها باب كينونة وقيدوه، فصار ريحانا كما ترى، والآخر: أن يكون " فَعلان " إلا أنه قلبت واوه ياء استحسانا للتخفيف كما قلبت في الأريحية، وفي قوله " من الكامل ":
ولقد رأيتك بالقوادم نظرة ... وعلي من سدف العشي رياح
بفتح الراء، فريحان على هذا " فَعلان " ورياحين " فعالين "، وعلي القول الأول " ريّحان ": " فعيلان "، وعلى لفظه " فيلان " ورياحين " أفالين "، كما أن قوله " قياديد " من قوله " من البسيط ":
بات يقحمها ذو أزمل وَسقت ... له الفرائش والسُلب القياديد
مثالها " فياليل "، وكما أن " أيانق " في قوله من جعل الياء عينا مقدمة " أعافا " في قول من جعلها عوضا من العين " أيافل " والعين محذوفة.
وفيها "
لولا رجاء نوال منك آمَلُهُ ... والدّهر ذو مِرر قد خَفَّ عوادي
أراد: لخف عوادي، كذا معناه ألا أنه حذف وصارت " قد " كالغموض منها، وليست عوضا البتة لجواز اجتماعها، وقال " من الطويل ":
فلولا رجاء النصر منك ورهبة ... عقابك قد صاروا لنا كالموارد
ومما اجتمعا في قوله " من المتقارب ":
فإني وجدِّك لو لم تجيء ... لقد قلق الخرْت إلا انتظارا
وحقيقة " قد " هنا إنها لتقريب الفعل مبالغة في المعنى، فكأنه قد كاد يهجم لولا ما علق به وجعل سببا لمنعه.
وفيها:
وحبَّذا بخلها عنا ولو عَرَضت ... دون النوالِ بعلات وألدادِ
قال: هو من قوله " هويلدة عن حاجته "، ومن قوله سبحانه: " وهو ألّدَّ الخصام "، هو عندي جمع " لدد " مصدر " ألد " وقد لضدِدت لددا، وإذا جمع المصدر فإنما ذلك لانه وضع على النوع، فأما حقيقة المصدر فلا يجوز تكسيره لاستحالة ذاك في المعنى إذا كان جنسا ولا غاية وراء الجنس في العموم والسعة فكيف يكسر ما لا نظير له وَهْما، وعدّى البخل ب " عن " وأنت لا تقول: بخلت عن كذا، وذلك لانه حمله على المعنى إذ كان معناه: وحبذا انصرافها وازورارها عنا قوله:
قد قتل الله زيادا عني
وقد تقدم ذكره.
وفيها: يُصبي تبسمها من لا يكلمها بمثلها يشتفى ذو النيقة الصادي عين النيقة واو أصلها: نوقة فقبلت للكسرة قبلها كقيمة وفيقة، يدلك على ذلك قولهم في " تفعَّل " منها: تنوّق، وإن كان الأفصح تأنق ألا أن " تنوّق " قد جاء، قال ذو الرمة " من الطويل ": " كأن عليها سحق لفق تنوقت بح حضرميات الاكف الحوائك ولام " الصادي " ياء لقولهم: صديان، يقال: صاد وصادية وصديان وصدٍ وصدية.