التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٤٢

وفيه ضرورة أخرى وهي إنه حذف النون مع إدغام اللام فيما بعد، وذا أشد، ألا ترى إن من قال في بني العنبر: بلعنبر، وفي بني الحارث: بلحارث، لم يقل في بني النجار: بنّجار، لئلا يجمع بين الإعلالين: الحذف والإدغام؛ ووجه جوازه عندي على قلته وضعفه إن إدغام حرف التعريف لا يكاد يُعتد ألا ترى إنه قد يدغم في أماكن كثيرة لو كان غير لام التعريف فيها لم يدغم نحو التبْن، فتدغم لامه في التاء ولو كانت غير لام التعريف لم يدغم نحو: التفت والتفات والتقاء، وكذلك الطلب، فتدغم، وتقول: " هل طلبت؟ " فلا تدغم وكذلك الثقال، فتدغم، وتقول: هل ثبت؟ فلا تدغم، فلما كثر إدغام لام التعريف في الأماكن التي يظهر فيها غيرها كانت المعاملة كأنها مع الأكثر الذي هو الإظهار، وسقط فيه لما ذكرنا حكم الإدغام، فصار لذلك قوله: لم يك السيل، كقوله: لم يك المطر، فلم يبق فيه حكم للإدغام وبقى الاعتذار من الحذف.
وفيها:
رفعت له صَدْري وأيقنت أنه ... أزامل نجم حاله غير كاذب
" الأزامل ": الأصوات. القول فيه عندي إنهم سموا الصوت أزملاً من الزميل وهو الرديف، والتقاؤهما إن الرديف يأتي بعد الراكب كما إن الصوت تتبعه حَنَّةٌ إن كان ذا حنين أو صدى يعارضه تابعا له ولاحقا به، فمن هناك التقاؤهما.
وفيها:
ليروي صدى داود واللحد دونه ... وليس صدى تحت العِداء بشارب
ينبغي أن يكون لام " الصدى " ياء لاستمرار الإمالة فيها، وأما " داود " فيجوز همز واوه للزوم الضمة لها فتقول: " داؤد " فإن كسّرته بعدما همزته فقياسه عندي إن تقر همزته بحالها ولا تردها إلى الواو وإن كانت الضمة قد زايلتها فتقول: دوائيد بوزن دواعيد، وكذلك أيضا تجيز في طاووس إن تهمزه فتقول: طاؤوس، فإن كسرت قلت: طواويس. وليس الهمز لاكتناف ألف التكسير الواوان لو كان ذلك لصحت الواو لبعدها عن الطرف بالياء كما صحت في طواويس لبعدها عنه بالياء، لكن لما دخل العين من الهمز في الواحد، فإن قلت: فكيف أقررت الهمزة وقد زالت الضمة التي عنها كان وجوبها؟ قيل: إن العين إذا قلبت همزة جرت لقوة العين مجرى الهمزة الاصلية، ولذلك قال سيبويه في تحقير قائم: قويئم، قال: فأجريته مجرى همزة سائل، وعلى ذلك ما حكاه أبو الحسن من قولهم في قلب أدؤر: آدُر ولم يقل مع زوال الضمة: أوْدر، أفلا ترى كيف أجرتها العرب لأنها عين مجرى همزة أرؤس إذا قلت آرُس، فعلى هذا تقول في داود إذا همزته دوائيد بون دواعيد فأعرف ذلك. وأما قوله " دونه " فإنه ظرف في موضع الحال من " اللحد " أي: ويروي اللحد معترضا دونه أو حائلا دونه كقولك: " مررت بزيد وعمروٌ عنده "، ف " عنده " في موضع نصب لكونه حالا من عمرو وذلك أن الظرف يجري صفة على النكرة، وما جرى على النكرة صفة جرى على المعرفة حالا كقولك، مررت برجل قائم، ومررت بزيد قائما. قال أبو سعيد: والعداء الصخر الذي يوضع على القبر. لام " العداء " واو لأنه يعدو عنه ما يلم به أي يثنيه ويصرفه، ولأن بعضهم قد قال فيه: " عِدْوٌ " بوزن: جرو.
ولكن يقر العين والنفس أن ترى ... بعقدته فضلات زرق دواعب
نصب " النفس " بفعل آخر مضمر كأنه قال: يقر العين ويطيب النفس كقوله " من الكامل ":
فعلا فروع الأيهقان وأطلقت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها
أي: وأفرخت نعامها. وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد أبن يحيى " من الطويل ":
تراه كأنَّ الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه أمسى له وفر
أي: ويفقأ عينيه، وقرأت عليه أيضا عنه:
تسمع للأجواف منه صَرَدا ... وفي اليدين جُسْأةً وبَددا
أي: وترى في اليدين جساوةً، والمشهور في هذا: متقلدا سيفا ورمحاً، وقرأت على أبي بكر أيضا عن أحمد بن يحيى:
علفتها تبناً وماء بارداً ... حتى شتت هَمّالةً عيناها
أي: وسقيتها ماءً بارداً. وأما " فضْلات " فإسكان عينها وهي اسم لا وصف ضرورة، أنشدنا أبو علي لذي الرمة " من الطويل ":
أبت ذِكَرٌ عَوَّدْنَ أحشاءَ قلبه ... خفوقاً ورفضات الهوى في المفاصل
وقال الآخر " من الطويل ":
ولكنَّ نَظْراتٍ بعينٍ مريضةٍ ... الآل اللواتي قد مضَلْن بنا مَثْلا
وقول الآخر " من الطويل ":