التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٣٩

يجوز أن تنصب " أمير المؤمنين " له منادى، ويجوز أن تنصبه لأنك أردت حرف الجر فكأّنه قال: شكوت إلى أمير المؤمنين، فلما حذف الجر وصل بنفسه الفعل كقوله:
بأسرع الشدّ مني يوم لانية ... لما عرفتهم واهتزت اللمم
(٤٩) وقال أبو الحنّان الهُذلي زياد بن عُلبة " من الوافر ":
نت البيض اللباخيات خَوْدٌ ... يجول وشاحها جُمّ العظام
كان ينبغي أن يقول: جمّاء العظام لأن الموصوف به واحد كقوله:
يَطُفْنَ بجمّاءِ المرافق مكسال
إلا أنه لما كان الجمم للعظام نفسها جاز جمعه إياها واصله " جُمٌّ عظامها " فحذف الضمير من العظام وأودعه الجُمَّ وأقرّ الجمع بحاله حملا على المعنى، ونظير هذا قوله " من الطويل ":
يا ليلة خُرْسَ الدجاج طويلة ... ببغداذَ ما كادت عن الصبح تنجلي
وقول الآخر:
حُمّ العظام خَدلة المُخَدَّمِ
وقول الآخر:
ذرقت حليب الضان جُمّ القوادم
" وفيها ":
سجيس الدهر ما سجعت هتوف ... على فرع من البلد التهامى
القول عندي في " سجيس الدهر " مم هو قد قال ابن الأعرابي فيما رويناه عنه: سجس الماء إذا تغير، ومعنى: سجيس الدهر، بقية الدهر، وبقية الشيء إذا طال انفرادها فسدت، قال " من الوافر ":
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح
وقال:
أرى الدهر كنزا كل ليلة
والفساد والنقصان كله ينقاد إلى موضع واحد، وشواهد هذا في النثر والنظم أكثر من أن أحصيها، فهذا يكشف معن " سجيس الدهر " فأعرفه.
وفيها:
تَسَدَّت بي جواز البيد وحدي ... إلى جمل دُجى ليلٍ التمام
بلا هادٍ هداها ما تَسَدّى ... إليها بين أثلة والقدام
" ما " هنا استفهام، وأراد: تتسدى فحذف التاء الثانية كقولك: أنت تذكَّرُ أي: تتذكر، فحذفت التاء الثانية لدخول تاء المضارعة عليها.
(٥٠) وقال رجل من هُذيل
يا ربِّ أشقاني بنو مُؤمّلِ ... فارمِ علي قفّانهم بَمنْكَلِ
قال " قفانهم ": جماعتهم، ينبغي أن يكون " قفّان ": فَعْلانا من قولهم: قَفَّ يقفّ إذا يبس واجتمع، وحدثنا بعض أصحابنا قال: نزل معاوية بامرأة فقال لها: هل عندك من قِري؟ فقالت: نعم، خبز خَمير، وماء نمير، ولبن وغير، فلما أكل قال لها: سلي حاجتك، فسألته في الحي أجمعين فقال: ليس هكذا قلت لك، فقالت له: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تنزل واديا فتترك أسفله يرف وأعلاه يقف. فلو كان قفّانَ " فَعَالاً " لكان من لفظ قولهم: شادة " قفية " أي: قفيّة إذا ذبحت حتى ينفصل قفاها، ولا تكون النةن في " قفينة " بدلا من ياء " قفيّة " كما قالوا: أتانين في أتانيّ؛ لانهم قد صرفوا فعلها فقالوا: قفيت الشاة أقفيها قفياً.
(٥١) وقال عبد الله بن مسلم بن جُنْدب " من الطويل ":
فقولوا لها قولا رفيقاً أعلها ... سترحمني من زَفرةٍ وعويلِ
كان ينبغي لاختصاص " لعلّ " بالاستقبال ألا يجمع بيتها وبين السين كما لم يجمع بين " إن " والسين وسوف، وكذلك " إن " إذا لم تكن أيضا " من الطويل ":
لعلك إنْ دَهْرٌ أصابك صرفه ... ستذكرني يوماً إذا ذًقْتَ دائيا
وقال عبد الله أيضا " من البسيط ":
لكنه شاقه أنْ قيل ذا رَجَبٌ ... يا ليت عدَّةَ حولي كله رجبا
يحكي الكوفيون: " ليت زيدا قائما " على أن " ليت " هي الناصبة للاسمين جميعا، عندنا نحن بخلاف ذلك، بل هي عندنا على بابها من نصب الاسم ورفع الخبر، فأما ما أنشده صاحب الكتاب من قوله:
يا ليت أيامَ الصبا رواجعا
فنه حمله على فعل محذوف. قال كأنه قال: " أقبلت رواجع "، فكذلك هذا أيضا كأنه قال: يا ليت عدّة حولي كله بدلت أو سميت رجبا.
وقال عبد الله أيضا " من الطويل ":
وجَنَ عليك الليل دانٍ رواقه ... وراعيت للهم النجومَ الدوانيا
يجوز أن يكون " دانٍ " في موضع نصب وأراد " دانيا رواقه " إلا أنه أجرى المنصوب مجرى المرفوع والمجرور كقوله
يا دارَ هِنٍ عفت إلا أثافيها ... بين الطوى، فصارات فواديها
وقوله " من المتقارب ":
إذا كان هادي الفتى في البلاد ... صدْرَ القناة أطاع الأميرا
وقوله " من الرجز ":