التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٣٨

أراد الظلامة، فيجوز أن يكون حذف الهاء كما حذفها الآخر من قوله " من الطويل ":
أبلِغ النعمان عن مألُكاً ... انه قد طال حبسي وانتظار
يريد: مألكةٌ، ثم أنه أطلق الروي فألحقه الألف، ويجوز غير هذا وهو أن يكون إبدال هاء " الظُلامة " ألفاً كما أبدل الآخر آلاف من قوله " من الوافر ":
ولاعبَ بالعشي بني بنية ... كفعل الهر تلتمس العظايا
يريد: العظاية، وقال أبو عثمان في " العظايا " انه شبع ألف النصب بهاء التأنيث، فهذا قول، والأول اسلم منه
فبدّل بعد أواري الجياد ... نَفْحَ جنوب تثير الرَّغاما
واحد الأواري: آرى، ومثالها " فاعول " كعاقول وجاروف، وهو من: " أرت القدر تأرى "، اذا التصق بها اسفلها، فإذا كسر قيل أوارى كعواقيل قال " من البسيط ":
إلا الأواريّ لأياً ما أينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
ثم حذفت الياء الأولى المبدلة من واو " فاعلول " فبقى " أوار " كقولهم في " أواقيّ ": أواق، قال:
أواقي سدى تغتالهن الحوائك
ولك تخفيف كل ما كان من هذا النحو مثقلا نحو قولك في: أمانيّ: امان، وفي بخاتيّ: بخاتٍ، وفي اواخيّ: أواخٍ، وفي مصاريّ: مصارٍ.
وفيها:
ولم يُبق منها رثا الهالكين ... ألا تجملها والقَواما
قال: أي مرثيتها اياهم، ينبغي أن يكون وأحدهما رثية كمشية ومشى، ويسرة وسير، يراد به الحال.
وفيها:
ترى الخيلَ حولِِ مناديهم ... رواكدَ متشجراتٍ صياما
ينبغي أن يكون واحد " المنادي ": مندى، وهو النادي أي المجلس، ويجوز أن يكون جمع: مندّى كقوله:
جدب المُندّى شئز المعوَّقِ
وفيها:
على كل شوهاءَ فيّاضة ... ونَهْدِ المراكل يُرى اللجاما
قال: يشرى: يحرك، هو من قولهم: " شرى البرق يشري " إذا اضطرب فلامه مشكلة وقد تقدم القول عليها، وإذا أشكل أمر اللام فحملها على الياء أولى، وانشد ابن الأعرابي " من البسيط ":
وانني حوث ما يُشرى الهوى بصري ... من حوث ما سلكوا أدنو فأنظر
كذا رواه " يشري " بالشين معجمة ورواه غيره: " يسري " بالسين غير معجمة من فوق، ورواية ابن الأعرابي أسَدُّ وأعلى.
وفيها:
فذلك خُطّ لنا في الكتابِ ... ما كان طوقٌ يزين الحماما
" ما " ها هنا مصدر إلا إنها منصوبة على الظرف كقولك: " لا أكلمك ما طار طائر " أي مدة طيران الطائر، ولا يجوز أن ينصبها " خُطّ " لانه ماضٍ، و " ما كان طوق يزين الحماما " مستقبل ولا يحسن ان يتناوله " لنا " لأنها هنا فارغة غير مشغولة لتعلقها ب " خط "، والظرف أو حرف الجر اذا تعلق بالظاهر لم يجز أن يتعلق به غيره، وإذا كان كذلك حملته على مضمر يدل عليه ما قبله وكأنه قال: " هو لنا ما طار طائر "، ويجوز فيه وجه آخر وهو أن يجعل لذلك خبرين أحدهما " خط " والآخر " لنا " على قولهم " حلو حامض "، فإذا كان كذلك علقت " لنا " بمحذوف، وعلقت " ما كان طوق يزين الحماما " بقولك " لنا " كقولك: " هذا لنا أبداً ".
(٤٨) وقال رجل من هذيل يذكر أباه " من المتقارب ":
نفاني وكنت ابنه حقبة ... غليه أؤول إذا أُنْسَبُ
ينبغي أن يكون الناصب ل " حقبة " ما في ابنه من معنى الفعل، فكأنه قال: كنت منسوبا إليه معروفا ببنوته ومثل ذلك ما انشده لجرير " من الطويل ":
تركت بنا لوحاً ولو شئتِ جادنا ... بعيد الكرى ثلج بكرمان ناصح
فنصب " بُعيدَ الكرى " بما في ثلج من الثلج لانه بمعنى بارد، وأنشدنا أيضا:
أنا أبو المنهال بعضَ الأحيان
فعلق الظرف بما في أبي المنهال من معنى الحدث كأنه قال: أنا المُجدي أو الدافع والحامي في بعض الأحيان. وإذا جاز لهذا التقدير أن يرفع به الفاعل كان نصبه للظرف أسوغ وأسهل، قال لي أبو علي رحمه الله مرةً: الظرف يعمل فيه الوهم مثلا، فمما رفع به فيه الفاعل قوله " من الطويل ":
كأنَّ لنا منه بيوتا حصينةً ... مًسوحاً أعاليها وساحاً كسورها
وكأنه قال: سوداً أعاليها وخضراً كسورها، وله نظائر وقد ذكرت. وقال هذا الرجل أيضا " من الطويل ":
شكوت أميرّ المؤمنين شكايتي ... فكان حباي أنْ جُررت علي فمي