التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٣٤

إلا أنك مع هذا جعلته جمع ضيف فسد المعنى لأنك تجعل الفوارس هم الأضياف، وليس المعنى على هذا، إنما المعنى: انهم يقرون الأضياف فهذا ظاهره كما تراه منتقض ولكن فيه عندي وجهان سوى هذا الظاهر، أحدهما: أن يكون على حذف المضاف كأنه قال الفوارس ذوي الأضياف أو مُحلى الأضياف ثم حذف المضاف كقولها " من البسيط ":
يا صخر وراد ماء قد تناذره ... أهل الموارد ما في ورده عار
أي: ما في ترك ورده، فهذا إن حملته على ظاهره فسد معناه، وان حملته على حذف المضاف استقام أمره فهو وعروض البيت الذي نحن في تفسيره سواء، ومثله قوله " من المتقارب ":
وأهلك مهر أبيك الدواء ... ليس له من طعام نصيب
أي ترك الدواء، وقال الآخر " من الطويل ":
وإني لاستحيي وفي الحق مستحى ... إذا جاء باغي العرف أن أتعذرا
أي: في تركه، أنشدنا أبو علي هذين البيتين فهذا وجه. وأما الثاني: وهو أغمض من هذا، فإن يكون " الضايف " جمع إضافة على أنه وصف بالمصدر على قولك: هذا رجل عَدْل، أي: عادل، وماء غور أي غائر كأنه جعله هو الشيء بعينه على قوله:
وهن من الأخلاف بعدك والمطلِ
وعلى قوله " من الطويل ":
لخلابة العينين كذابة المنى ... وهُنَّ من الأخلاف والولعانِ
فكذلك هذا، كأنه جاء به على قوله: هذا رجلٌ إضافة، إذا كثرت أضافته الأضياف كأنه جُعل مخلوقا من إضافة كما أن الأول كأنه جعلن مخلوقات من الأخلاف والمطل والولعان ثم عكس المصدر على حد قوله " من الطويل ":
وبايعت ليلى في الخلاء ولم يكن ... شهود على ليلى عدول مقانع
فكما كسر " عدلاً " وإن كان في الأصل مصدرا فكذلك كسر الإضافة على أضايف، وأصلها أضاييف فحذف الياء الثانية التي هي بدل من ألف " إِفعالة "، ورد ما كان حذفه من إضيافة لالتقاء الساكنين، العين كان أو ألف " إِفعالة " على خلاف الرجلين فيه، من قبل إنه قد زال في مثال " مفاعيل " التقاء الساكنين فوجب الرد كما تقول في تحقير مبيع " ومقيل وجمعهما ": مُبييع ومقييل ومباييع ومقاييل فترد موضع العين أو واو " مفعول " لزوال التقاء الساكنين ونحوه قول الآخر " من الرجز ":
سَلِطْ على زرع الجنى الوالج ... من الدبا ذا طبقٍ أفائج
بالهمز، قال الفراء همز ألف " إِفعالة " وهي مصدر أفاج افاجةً، وذهب إلى أن المحذوف عين الفعل كقول أبي الحسن، والوجه عندي إنا لا وجه له لأنه يريد " أفاعيل " فكان فياسه إن حذف الزائد أن يقول: أفاوج، إلا إنه عندي كهمز مصائب، ثم تنصب بالأضايف كما ترى المحول لأنها مصدر فعمل النصب. قال قلت: فكيف يجوز إعمال المصدر مع جمعه؟ فإن ذلك جائز قياسا وسماعا، أما السماع فلما ورد:
وواعدتني مالا أحاول نفعه ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
فنصب بمواعيد وان كان مجموعا، وهذا مما نبه عليه أبو علي، وقد مر بي أنا غير هذا هو قول الأعشى " من البسيط ":
كما جربوه فما زادت تجاربهم ... أبا قدامة إلا المجد والفنعا
فالوجه إن يكون " أبا قدامة " منصوبا بتجاربهم لامرين، أحدهما: إنه اقرب إليه من " زادت "، والآخر: إنه قد نصبه قبل ذلك ب " جربوه " فكان الأليق أن ينصبه بتجاربهم لأنه مصدره كقولك: ضربته فما زاد ضربي جعفرا إلا خبالا. فالمحول على هذا منصوب بنفس الأضايف، وعلى القول الأول منصوب بفعل محذوف يدل عليه قوله " الأضايف " أي ذوي الأضايف، فكأنه قال: يضيفون المحول، كما إن قوله:
تاجٍ طواه الابنُ مما وجفا ... طيّ الليالي زلفا فزلفا
سماوةَ الهلال حتى احقوقفا
كذلك ألا ترى إن تقديره عنده صيّره مثل سماوة الهلال، ودل طواه على صيره كذلك، فأما عند أبي عثمان فإنه منصوب ب " طي الليالي " والذي قال كل واحد من الجلين صحيح مستقيم بل إذا جاز بإضمار فعل لم يتقدمه شيء من لفظه كان إضماره بحيث يتقدمه لفظه أعني في الأضايف ويضيفون أولى.
(٣٩) وقال حبيب أخو بني عمرو بن الحارث " من الكامل ":
ولقد نظرتُ ودون قومي منظرْ ... من قيسرونَ فبلقع فسلاب