التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٣٢
في هذا البيت دلالة على فساد قول من قال إن قولهم: " يا لَزيد " معناه: يا آل زيد، ألا ترى إنه لا تضاف " آل " هذه " إلا " إلى الأخص الأعرف فتقول: هؤلاء آل الله، " قال سبحانه ": (أدخلوا آل فرعون اشَدَّ العذاب) . فلا تقول: رأيت آل رجل، ولا: كلمت آل امرأة وقد قال: " يا لقوم " وهو نكرة غير معرفة فقد ثبت إن معناه يا قوم، زقزم ليس من الأعلام ولا من الخواص.
(٣٣) وقال خالد بن زُهير بن المُجَرِّب " من الطويل "
لعمر بني هند لقدّ دقَّ مضغكم ... ويؤتم إلى أمرٍ إليّ عجيبِ
قال: " دق مضغكم ": صغر شأنكم، هذا تفسير على المعنى لا على اللفظ، ألا ترى إن أحدا لا يسمه الشأن مضغاً. وتفسير معناه إنه استصغر شأنهم فسماه مضغا لأن هذه كلمة بُكنى بها عن الضعة والصَّغار كقولك: جاءني يمضغ كلامه، أي وكلامه فاتر ساقط.
ومنها:
ولم يُجْدِ فعلي نقرةً بُمسافعٍ ... فيُثنى أمناً كان غير مثيب
معناه: فعلي بمسافع، فإن حملته على هذا كان فيه الفصل بالأجنبي، ألا ترى إن الباء كانت تكون من صلة " فعلي " وقد فَصَلْتَ بينهما بقولك " نقرةً " أجنبية منهما لأنها منصوبة ب " يُجْدِ " فإذا كان كذلك حملته على مضمر محذوف يدل عليه " فعلي " كأنه قال فيما بعد: فعلت بمسافع، ونظيره قول الله سبحانه: (إنَّ الذينَ كفروا يُنادَون لَمَقْتُ الله اكبرُ مِنْ مقتِكم أنفسكُمْ إذ تُدْعَون إلى الإيمان فتكفرون) ، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.
(٣٤) وقالت أمُّ تأبَّطَ شَرَّاً ترثيه
يُجَدِّل القِرْنَ ويُروى النَّدْمان ... ذو مقِطٍ يَرْمي وراء الأخوان
المأقط: مجتمع الجيش للحرب وهو " مَفْعِل " من الأقِط لأنه لبن يجمع، وقالت أيضا فيه:
وآ ابناه وآ أبن الليل ... ليس بُزمَّيل شروب للقيل
يضرب بالذيل ... كمُقْرَب الذيل
زُميل: ضعيف وهو " فُعَّيل " من الزِمل والزميل، وهو الرديف كأنه ملصق مستضعف.
(٣٥) وقال شاعر بني قُريم " من الوافر ":
تأبطُ سَوأةَ وَحَملْتَ شَرّاً ... لعلك أن تكون من المصابِ
أي الذين يصابون، ذهب بالمصاب إلى الجنس كقوله أنشدناه أبو علي وقرأته على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى " من الرجز ":
إِن تنجلي يا ميّ أو تعتلّي ... أو تصبحي في الظاعن المولّى
يريد في الظاعنين المولين وانشد أبن الأعرابي " من الرجز ":
يا حبذا نضحك بالمشافر ... وبالعثانين وبالحناجرِ
على رؤوسٍ كرؤوس الطائر
يريد: الطير.
وفيها:
فزلتم تهربون ولو كرهتم ... تسوقون الخزائمَ بالنقابِ
قال: يريد ما زلتم، وهي لغة لهم. الشائع في هذا إنما هو حذف " لا " كقوله " من الطويل ":
فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
أي: لا ابرح، إلا إنه شبه " ما " ب " لا " كما شبه " لم " ب " ما "، قال الأعشى " من المتقارب ":
أجدَّك لم تغتمض ليلة ... فترقدَها مع رُقّادها
أي: ما تغتمض، وأنشدنا أبو علي " من الوافر ":
أجدك لن ترى بثُعيلبات ... ولا بيدانَ ناجيةً ذمولا
أراد " ما ترى "، وذلك إن الفعل بعد " أجدَّك " إنما هو للحاضر والحال ونفى فعل الحال إنما هو ب " ما " دون غيرها. وينبغي أن تكون " الخزومة " وهي البقرة سميت بذلك لأنها تخزم إلى غيرها أي تشد إليها ليحرث عليها، وكذا العرف في البقر في غالب الأمر. قال الله عز وجل: (لا ذلولٌ تُثيرُ الأرْضَ ولا تسقي الحَرْثَ) .
(٣٦) وقال شاعرُ فَهْم واسمه كاثف " من الطويل ":
غَداةَ تساهمنا الطريقَ فبزنا ... سوام كقَلْس البحر جونٌ وأبْقَعُ