التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٢٩
والتقاؤهما أن الرسول من شأنه أن يذهب ويجيء، والتارة هكذا معناها، ألا ترى أنها تردد الشيء طورا كذا وطورا كذا كما أن الرسول مرة يرد وأخرى يصدر، ويؤكد عندك كون عينها واوا أيضا قولهم في معناها: طورا وطورا وأطوارا، والطاء أخت التاء فكأنهما لذلك حرف واحد، وقد ترى تعاقبهما في نحو قولهم: الترياق والطرياق والترنجين والطرنجين، وفي قول علقمة " من الطويل ":
وفي كل حي قد خبطَّ بنعمةٍ ... فَحُقَّ لشأن من نداك ذنوب
أي خبطت، وقالوا: فحصط برجلي، وله نظائر. وقالوا في المتْرَس: المِطْرَس، وكلاهما أعجمي والعرب تسمى المطرس لزازا. فهذا وجه الاشتقاق. وأما وجه القياس فلأنها عين، وقد سبقت وصية صاحب الكتاب في نحو هذا بما قد عرفته.
(٢٦) وقال الفهري ابن أخت بني قُريم من صاهلة " من الكامل ":
لما رأيت بني عَديَ مَرّحوا ... وغلت جوانبهم كغلي المرجلِ
قال: مرحوا من المرحى، والمرحى موسى الحرب، لم يعرف أبو عمرو مَرَحوا، انتهى كلامه. الظاهر في معنى الحرب على ما فسره انه مرساها أن يكون " مَفْعَلا " من أفظ الرحى، ومعناها، ألا ترى إلى كثرة ما جاء عنهم من تشبيه موضع الحرب بالرحى، قال عمرو بن كلثوم. " من الوافر ":
قريناكم فجعلنا قراكم ... قُبيل الصبح مرداة طحونا
يكون ثقالها شرقيَّ نجدٍ ... ولهوتها قضاعة اجمعينا
وقال الآخر " من الخفيف ":
ثم الدبرات دارت رحانا ... ورحى الحرب بالكُماة تدور
ومن كلام ابن عباس في صفة أمير المؤمنين عليهما السلام: " فحمل عليهم حملةً أحالهم فيها جولان الرحى بثفالها "، فإذا كان كذلك لم يجز أن يكون " مرحوا " من لفظ الرحى؛ لأنه لو جعلته منه لكان " مَرَّحوا ": مَفَّعوا، وهذا مثال غير موجود في كلامهم. فإذا كان كذلك حملت " مرّحوا " على أنه مرّحوا من المرح، وبناؤه على " فَعّلوا " لكثرة المرح منهم كقولهم: " موّتت الإبل " و " قّوّمت الخيل "، ويدل على أنه من المرح أيضا قوله يليه: " وغلت جوانبهم كغلي المرجل "، فالغليان: النشاط والحركة والاضطراب، وكذلك المرح، وهذا أمر ظاهر، فهذا أذهب عندي في الصواب مما قاله السكري.
(٢٧) وقال أبو جندب بن مرّة " من الرجز ":
أنى امرؤ أبكي على جارَيه ... أبكي على الكعبي والكعبيّة
ولو هلكت بكيا عليه ... كانا مكان الثوب من حقويّه
ليس هذا في الفحش كقوله " من الوافر ":
ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تُبقي خمور الأندرينا
يسلب حرف اللين لينه، إلا أن فيه مع ذلك ضربا من الضعف لأن الإدغام لم يستهلك منع جميع مدة ما دام ما قبل الحرف منه، ألا ترى أنه لا يجوز مع " الكعبية " الفدية والفتية ونحو ذلك، بل قد يجوز معها - إذا انفتح ما قبلها - غيرها نحو: ليّا وطيّا يجوز معه نجيا وظبيا وذلك لأنه انضاف إلى الإدغام انفتاح ما قبل الحرف فزال المد، فأما امتناع من امتنع من الجمع بين ليّا وظبيا، فليس ذلك شيئا يرجع إلى حرف اللين إنما هو لأنه لا يجمع بين المشدد وغيره في الروي، وقد قدمنا القول على فساد امتناعه من هذا ونحوه في كتابنا الموسوم ب " المعرب في شرح القوافي " عن أبي الحسن رحمه الله.
(٢٨) قال سويد بن عُمير الخزاعي " من الكامل ":
القوم أعلم لو ثقفنا مالكاً ... لاصطفاف نسوتُه وهُنَ أوالي
قال: أولى " فواعل " من " ألوت " أي وهن حزانٌ أي لا يجتهدون، لغة هذيل: ألوت أي قدرت واستطعت، فحقيقة قوله " وهن أوالي " أي قوادر على البكاء وإنما وصفهن بالقدرة عليه لأنهن كن يكثرن منه فاكتفى بالسبب الذي هو القدرة من المسبب الذي هو القدرة من المسبب الذي هو البكاء، وهذا كثير وقد مضى مثله.
وفيها:
يابا خصيلة لن يميتك بعدها ... يابا خصيلة غير شيب قَذال
أراد: يا أبا خصيلة، فحذف الهمزة تخفيفا كقول أبي الأسود " من الكامل ":
يابا المغيرة ربَّ أمرٍ معضل ... فرّجته بالمكر مني والدَّها
وحكى أبو زيد: " لا بَلك " وقد تقدم القول في هذا.
وقال أيضا " من الطويل ":
ألا ابلغنا أفناء لحيان آيةً ... وكنت متى تجهل خصيمك يجهل