التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٢٥

قال: هو رجل قتلوه فأكلوه. استعمل الخصى بلا هاء وهو قليل، وإنما العرف فيه الخُصْية كقولها " من الرجز ":
لست أبالي أن أكون محمقه ... إذا رأيت خصية مُعَلَّقه
فإذا صاروا إلى التثنية كانت بلا تاء. قال " من الرجز ":
تقول يا رباه يا رب هلِ ... إنْ كنت من هذا مُنجيّ أجلي
أما بتطليق وأما بارحلي ... كأنّ خصيبه من الندلدلِ
ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل
وقد جاء نحو هذا قال " من الطويل ":
أخصيي حمار بات بكدم نجمة ... أتؤكل جاراتي وجارك سالم
وقال:
يا بأبي أنت ويا فوق البيب ... يا بأبي خصياك من خصى وزُب
أراد: يا بأبي خصييك وزبك من خصى وزب، فثنى على لفظ أحدهما كقوله:
لنا قمراها والنجوم الطوالع
وكسيرة العمرين ونحو ذلك. وقوله " رؤوس الثعالب " نصبه على الشتم كقوله " من الطويل "
وجوه قرود تبتغي مَنْ تجادعُ
(٢٠) وقال عباس بن مرداس " من الطويل ":
فجللتها حُصى جنادةَ غدرْرة ... وأيقنت ما أندى حُليسا وجابرا
أندى: أخزى، والمندية: الداهية والفاضحة أيضا، والمنديات: المخزيات. لام " المنديات " عندي واو وذلك إنها تندى في النادي وتذكر في المجالس، ولام النادي كما تقدم واو. وقال القطامي " من البسيط ":
لولا كتائب من عمرو تصول بنا ... أوديت يا خيرَ من يندو له النادي
فأجابه رجل من بني لحيان " من الطويل ":
فدى ركبي ضب تلادي فأننا ... تكلنا عليه داخلا ومجاهرا
يريد: اتكلنا عليه، تكَل يُتْكِل. وداخلا ومجاهرا: سرا وعلانية. مثل تكَلَ يَتْكِلُ في حذف فائه وتحريك التاء في مضارعه قولهم: تقى يتقي وتجه يتجه وتسع يتسع. قوله: " داخلا ومجاهرا " ينتصب على الحال وأن كان قد فسره بقوله: سراً وعلانية، لأنه تفسير على محصول المعنى دون موضوع اللفظ.
(٢١) وقال أبو الرعّاش الصاهلي " من الرجز "
إنك لو شَهِدْت يوم الخنْدمة ... إذ فَرَّ صفوان وفَرَّ عِكْرمَه
وأبو يزيد قائم كالموتمه
قال " الموتمة " أم اليتيم، أيتمت فهي موتمة، بخط السيرافي في الحاشية. الصواب أن يقال الموتمة لها أولاد يتامى، والفعل أيتمت كما يقال أطفلت وأجرت فهي مجرية، إذا كان لها جراء، هذا الذي قاله من جهة القياس على ما ذكره، ولكن الرواية احكم من القياس فأن جاءت مخالفة له اتبع ورفضت، ومع هذا فله وجه من القياس قائم وذلك إنها هي أيضا تيتم من ولدها كما ييتم هو منها ثم ينقل فعلها فيقال: أيتمها الله كقدم وأقدمه الله وضرم وأضرمه غيره، قالوا: واليتيم المنفرد، فلهذا يقال يتيمة ثم يقال أيتمها الله. ومن رواه كالمؤتمة احتمل أمرين، أحدهما: إن يكون من باب همز: " أحَبُّ المُؤْقِدِينَ إليَّ مُؤْسي، والآخر: إن يكون من قولهم: ما في سيره أتَم، في معنى يَتَمٌ أي فتور، ومنه اليتيم لضعفه وفتوره. وقوله: " وأبو يزيد " هو على الخرم؛ لأن الواو زائدة وقد تقدم نحو ذلك، ومن قال " وأبو يزيد " بسكون الألف فأنه أبدل إبدالا على حد " قريتُ " و " أخطيت ".
(٢٢) شعر سلمى بن المقعد القرمي " من الطويل "
" و " أفلت منا العلقمي تزحفا ... وقد خطفت بالظهر واللمّة اليدُ
جريضاً وقد ألقى الرداء وراءه ... وقد ندر السيف الذي يتقلَّدُ
موقع " ج ر ض " في كلامهم الشدة، منه قولهم: جَمَلٌ جِرواض وجرائض للشديد، ومنه الجَرَض للشدة عند الموت. وأما همزة " الرداء " فمنقلبة من ياء لقولهم: فلان حسن الردية، وأما همزة " الوراء " فاصلية، لقولهم في تحقيرها: وُرَيِّئَة، فثبات الهمزة يدل على كونها أصلا، ولو كانت بدلا لعادت ياء وحذفت كسماء وسُمّة وعظاءة وعُظيّة، تقول العرب: " فلان وُرَسِّئَة الحائط " فيها:
جمعنا عليهم طائفيهم بغارةٍ ... هزيم كما انقار الخباء الممددُ
طائفاهم: ناحيتاهم. همزة " الطائف " بدل من ياء لأنه من طاف الخيال يطيف، إذا ألَمَّ بناحيته، ويجوز أن يكون بدلا من واو من طاف القوم يطوفون بالشيء، إذا أحاطوا به. وأما همزة " الخباء " فبدل من ياءٍ لأنهم يقولون: خبيت الخباء أي اصلحته، وليست من لفظ " خبأت " وإن كان المعنى عليه، وقد تقدم ذكره. وعين " اتقار " واو لأنه من قَوَّرْتُ.