التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٢٤

فقلتُ له وليس علي خداع ... مُجيبا للنصيح وانْ عصاه
فاعل " عصاه " مضمر يدل عليه الحال أي: وان عصاه قلبي، يدل على ذلك البيت الذي قبله والبيت الذي بعده. وقال البريق أيضا " من الوافر ":
فأمّا أُمسِ لا فتيانَ عندي ... فقد قَطَّعْتُ بالفتيان عَيْشي
في هذا البيت دلالة على جواز تكسير أمثلي الجموع وذلك كقوله: لا فتيان عندي، ألا ترى أن " لا " المبنية مع الاسم بعدها إنما ذلك الاسم واحد يدل على جنسه كقولنا: " لا غلام لك "، ففي هذا نفي جميع الغلمان، فالغلام إذن واحد وقع موقع جنسه. فكذلك قوله: " لا فتيان عندي " إذا فُصَل هذا الجنس فتيانا، ففتيان ها هنا كالواحد الدال على جنسه، وإذا كان في حكم الواحد حَسُنَ تكسيره فكأنه نفى جميع الفتايين لان محل فتيان من فتايين لو نطق به محل رجل من رجال، ونحوه أيضا ما أنشده أبو الحسن من قوله:
كم دون سلمى فلوات بيدُ
وكذلك قوله جل وعز: (كم تروا من جناتٍ وعيونٍ) فهذا كقولك: " كم تركت من دار وبستان ". فدخول " من " عليه يشهد بأنه تحت الجمع الذي فوقه، ألا ترى إن " من " هنا لا يأتي بعدها الواحد إلا نائبا عن جماعة ودالا عليها، وعلى هذا جاء عنهم " عُريان " و " عرايين "، و " عقبان " و " عقابين "، قال " من الطويل ":
عقابين يوم الجن تعلو وتَسْفُلُ
ومنه اسقيه وأساق، وأعبد وأعابد، وأصرام وأصاريم. قال كعب بن معدان الأشقري " من الطويل ":
سنشرب كأسا مُرَّةً تترك الفتى ... تليلاً لفيه للغرابين والرخم
جمع غربانن ومنه قول العجلان بن خُليدة " من الطويل "
جمعت لرهط العائذين سَريّةً ... كما جمع المغمور أشفية الصدر
جمع شفاء اشفية، ثم إنهم قالوا في جمع اشفية: أشافٍ (١٧) وقال عبد بن حبيب " من الوافر "
تركنا صُبْعَ سُمْيَ إذا استباءت ... كأنّ عجيجهنَّ عجيج نيب
قال: سُمْي بلد لم يمر بي من تركيب " س م ي " غير هذا الحرف، وقد يمكن أن يكون من سموت، إلا أنه لما جاء علما لحقه التغيير كما لحق نحو حياة ومعدى كرب. واستباءت " استفعلت " بمعنى " فعلت "؛ لان معناه يبوء بعضها أي يرجع، كذا قال، فهذا كقَرَّ واستقر وسخر واستسخر وقد تقدم القول على نظيره. وكذلك رواية أبى عمرو: استآبت لان معناها آبتْ، ويجوز أن يكون " سُمْي " فُعُلاً في الأصل كأنه سُمُوٌ ثم غيرت إلى سِمُ كادْلِن ثم أسكنت العين تخفيفا واقر القلب بحالة كقولك في رَضيَِ: رَضْيَ، ويجوز أيضا أن يكون مثالا لم يُسَمَّ فاعله، ثم كأنه سمى، ثم أسكنت تخفيفا كقوله:
قالت أراه دالفاً قد دُنى له
(١٨) وقال أبو المُورِّق اللحياني من أبيات " من الطويل ":
ولكنْ بني السكران أولاد جَثلة ... يعود لما ألقت من السَّه في الفمِ
ومن الست بالفم، جثلة: اسم أمهم، وخثلة بالخاء: مسترخية البظر. من قال " السَّه " فالعين محذوفة، ومن قال " الست " فاللام المحذوفة وهو أكثر من حذف العين وأقرب إلى القياس. وقال السكري بالهاء الأصلية، وهاء التأنيث، وهذا خطأ، إنما التاء عين الفعل في " أستاه " ولو كانت تاء " الست " للتأنيث لبقى الاسم المتمكن على حرف واحد لانه لا اعتداد بتاء التأنيث.
وقال أيضا " من الوافر ":
إذا نَزَلنْ بنو ليث عُكاظاً ... رأيت على رؤوسهم الغُرابا
الغراب ها هنا جنس يراد به الغربان، وفيه مجاز لانه لا يجوز أن يكون جمع غربان الدنيا على رؤوسهم حتى ولو تناهوا في الكثرة.
(١٩) وقال حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام " من الطويل ":
لحى الله قوماً لم نَدَعْ من سراتهم ... لهم أحداً يندوهم غير ثاقِب
قال: يندوهم: يجلس إليهم في ناديهم. في هذا دلالة على إن لام النادي والندى والنداء واو، وقوله غير ثاقب استثناء، وليس حالا؛ لأن ثاقبا اسم رجل.
فيها:
نُفَجيّ خُمام الناس عَنّا كأنما ... يفجئهم جسم من النار ثاقب
لام " نفجي " واو، لأنه فسره فقال: معناه ندفع، وذلك إنه من قولهم " قوس فجواء " إذا بان وتراها عن كبدها كأنه اندفع عنها.
ألَمْ يُلْهِ خصى الطابخي وأيره ... بني شَجَعٍ عنا رؤوسَ الثعالبِ