التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٢٣

فلما رَدَّ سامِعَهُ إليه ... وجَلَّى عن عمايته عماه
قال: " سامعة ": أذنه. لا يخلو " السامع " هنا من أن يكون صفة كضارب وشاتم، أو اسما هنا، فإن جعلته صفة فهو على انك نسبت الفعل إليها لظهوره ووقوعه عنها فتكون الأذن كأنها هي السامعة كما قيل للعين " ناظرة "، قال الشاعر " من الطويل ":
تصد وتبدي عن أسيل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفلِ
قد قيل " الناظرة " هنا العين، وهذا في إسناد الفعل إليه كقوله: " يداك أو كتا وفوك نفخ "، وكقولهم: " فعله برأي عيني وسمع أذني ". قال:
وَهُمُ زبابٌ حائرٌ ... لا تسمع الآذان رعدا
وكما سمى السيف ماضيا صارما، وان كان آلة، والفعل لغيره، وإنما هو مصروم به أي مقطوع، أنشدنا أبو علي " من المتقارب "
ومن يسمع الصوتَ لا يستجيب ... ومن يستجيب ولا يَسْمَعُ
فقال: يعني السمع واللسان، وهذا كثير. وكان قياسه أن يؤنث فيقول: فلما ردت سامعته إليه كقوله " بناظرة من وحش وجرة " فيمن أراد بالناظرة العينَ لان الأذن أنثى كما أن العين كذلك، إلا أنه ذكرَّ، ذهب بالأذن إلى العضو كما أنث " البعض " في قول الله سبحانه: " تلتقطه بعضُ السَّيارة "، لان بعض السيارة سيارة وإذا جاز تأنيث المذكر على ضرب من ضروب التأول كان تذكير المؤنث لما في ذلك من رد الفرع غلى الأصل أجدر، وان شئت جعلت السامع هنا اسما بمنزلة الناظر في العين، ويقوى هذا تذكيره ولو أراد الصفة لكان الأظهر التأنيث.
وفيها:
فقال: إليكما عنه ولولا ... مقام الجد ما رقبوا ألاه
قال: ألاه لا يألونه، يقول: لولا يوم من الأيام وقاك الله به شرا، " قال " أبو عمرو: الجد الحظ. " ما رقبوا ألاه " أي لم يكونوا يألونه، هذا جميع ما فسر به البيت. وهو عندي من " إلا لا " وهو العهد. قال الأعشى:
أبيض لا يرهبُ الهُزال ولا ... يقطع رحما ولا يخون إلا
وفيه وجه آخر أحسن من هذا، يقول: لولا جده ونفاذه ما بالوا بقوله " إليكما " أي لم يحفلوا بتحذيره أي بقوله " إليكما "، كما تقول إذا قال لك الأمير " عليك زيدا " لولا طاعة الأمير لما حفلت علاه. فإن قلت فان " إلى " و " على " إذا اتصلا بالضمير كانا كالياء البتة نحو " إليك " و " عليه ". قيل إنما ذلك ما داما حرفين. وأما في هذا الموضع فقد صارا اسمين فجرى قوله: " لم احفل ألاه " مجرى لم أجد عصاه. كما تقول إذا قال: ما قال زيد ما أحفل به، أي بقوله: " ما "، فتجعلها اسما تمدها، فهذا وجه حسن فيه لطف وصنعة.
على أنى قلبت بني جُريب ... زمانَ زمانُهم فيمن قلاه
قال: أرادا زمان زمانهم مساعد لهم يكون في الخير والشر، وقلاة: ابغضه. ينبغي أن يكون الكلام على تقدير حذف المضاف أي زمان زمانهم في قلي من قلى أهله فحذف المضافين من الموضعين جميعا كما تقول: " زيد في شغله يعبد الله ".
ولم تفقدْ طوال الدهر حَيّاً ... أخاك السوء حتى لا تراه
أي ما دمت تراه فلم تفقده إذا لم تره. قوله " حيا ": حال من " أخاك " ففدم حال المظهر عليه، ومثله قوله:
شتى تؤوب ب الحلبة
وقال توسعة أبو نهار " من الكامل ":
وكأنّ مهري إذا أجَدَّ إيابُه ... يبْرى بجو حمامة لحام
أي: حمامة تبري بجو لحمام، فلما قدم وصف النكرة عليها نصب على الحال منها. وأما " السَّوء " بفتح السين فكأنه المصدر الحقيقي لسؤته سوء كصغته صوغا، وكأن السُّوء الاسم منه، إلا أن " السَّوءَ " بفتح السين لا يستعمل إلا وصفا كهذا البيت أو مضافا إليه كقولهم: " وهذا غلام سوء "، قال أبو الحسن: لو أخبرت عن سَوء من قولهم: " هذا غلام سوء " لم يجز لانه كان يلزمك أن تقول: " هذا الذي غلامه سوء " فتجعله خبر مبتدأ، وإنما يستعمل مضافا إليه، وكذلك لا يجوز الأخبار عنه وهو وصف لأنك لو أخبرت عن السّوء من قولك: " رأيت غلامك السَّوء " للزمك أن تقول: الذي رأيت غلامك إياه السوء: فيفسد من وجهين، أحدهما: أن تجعله خبرا، وليس ذاك مستعملا، والآخر: انك تصف بالمضمر، وهذا فاسد. وقال عثمان لا تخبر عن " مذ " في قولك: " لم أره مذ يومان " ونحو ذلك من قبل انك لو أخبرت عنها لجعلتها مبتدأ وهي لا تكون إلا مبتدأة، وكذلك ما نقض أصلا لا يمكن نقضه، لم يجز الدخول له تحت ذلك.
وفيها: