التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٢١

وكقولهم: " جن جنونه " و " خرجت خوارجه ". ومنه قول الله سبحانه: (فاذْكُروا اللهَ كذِكرِكُم آباءكُمْ أو أشَدَّ ذِكراً) . وكأنه قال والله أعلم: أو ذكراً أشد ذكرا، فجعل للذكر ذكرا مبالغة. وذاكرت أبا علي رحمه الله بهذه الآية فأخذ ينظر فيها مستأنفاً للنظر ويردد من القول ما دلني إنه لم يكن قدم فيها فيما قبل نظرا فعجبت من ذلك مع كثرة بحثه وطول مزاولته. فأن قلت فهلا كان تقديره عندك: (فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو ذكراً أشد) ثم قدم وصف النكرة عليها فنصب على الحال منها كقوله " من الوافر ":
لمية موحشاً طلل قديم ... عفاه كل أسحم مستديم
قيل إن هذا باب ذكره سيبويه إنه قلما يجيء غي الكلام واكثر ما يجيء في الشعر، وما كانت هذه حاله لم يحسن حمل التنزيل عليه. وقال البريق بن عياض من أبيات " من الطويل ":
وكنت إذا الأيام أحدثن هالِكا ... أقول شَوى ما لم يُصِبْنَ صميمي
هذا على حذف المضاف أي أحدثن هلك هالك. ويجوز أن يكون على ظاهره فيكون الهالك هنا مصدرا كالفالج والباطل والباغز وهو النشاط.
أنشدنا أبو علي الفارسي " من البسيط ":
واستحمل الشوق مني عِرْمِساَ أُجُداَ ... تخال باغزها بالليل مجنونا
فكأنه قال: أحدثن هُلكا، ومثله من المصادر على فاعل إلا أنه بالتاء قولهم: العافية والعاقبة والخاصَّة والقاطبة.
وفيها:
فأصبحتُ لا أدعو من الناس واحداً ... سوى وِلْدَة في الدارِ غيرَ حكيمِ
لك أن تجعل " سوى " صفة لواحد وغير حكيم استثناءَ، ولك أن تقلب هذا فنجعل " غير حكيم " صفة ل " واحداً " و " سوى " استثناءً، والوجه الأول كراهية للفصل بين الصفة والموصوف بالاستثناء على أن ذلك مَرَ بنا أنشدنا أبو علي " من الطويل ":
أمَرَتْ من الكتان خيطاً وأرسلت ... رسولا إلى أخرى جرياً يعينها
ففصل بين " رسول " و " جرى " بقوله: " إلى أخرى ". ولك أن تجعلهما جميعا وصفين وليس لك أن تجعلهما استثناءين، كما لا يجوز لك أن تنصب بالفعل الواحد ظرفين من جنس واحد. وكما لا يجوز لك أن تُعَدّى ما يتعدى إلى الواحد إلى مفعولين نحو: ضربت زيدا، وشتمت خالدا، ليس أن تجعلهما استثناءين الثاني بدل من الأول لأن معنى الثاني ليس كمعنى الأول. ولا يجوز حمله على الغلط لأن هذا بدل لا يجوز في قرآن ولا شعر. وأما " ولدة " فقال أبو علي هي جمع ولد كأخ واخوة وليس مصدرا كوجهة لأن وجْهَ " ولدة " قائم معروف.
وأما قولهم: هو لدتي، فمصدر وصف به.
وقال البريق أيضا من أبيات " من الطويل ":
لنا الغَوْرُ والإعراض في كل صَيْفَةٍ ... فذلك عضر قد خلاها وذا عَصْرُ
قال " ها " تنبيه. قد يجوز أن يكون " ها " ضمير الإعراض أي خلافيها ثم حذف حرف الجر وأوصل الفعل، ومثله قوله:
في ساعة يُحَبُها الطعام
أي يحب فيها. وقال أيضا " من المتقارب ":
ونائحةٍ صوتُها رائِعْ ... بعثت إذا ارتفع المِرْزَمُ
كذا رواه " إذا " ولو قال " إذ " للماضي لكان أشبه، ووجه استعمال " إذا " في الماضي إنه حكى ما كان عليه أي أنه كان يبعثها إذا ارتفع، ونحوه قولهم: كان زيد سيفعل كذا، أي كان متوقعا منه ذاك، وعكسه في الزمان وإن كان نظيره في حكاية الحال قول الله تعالى: (إذ الأغلال في أعناقهم) و " إذ " لما مضى، وإنما هذا حديث عما يكون في القيامة إلا إنه حكى الحال قال " إذ " حتى كأن المخاطبين بهذا حضور للحال. في هذا ضرب من تصديق الخبر أي: كأن الأمر حاضر لا شك فيه وواقع لا ارتياب به. وحكاية الحالين الماضية والآتية كثير في القرآن والشعر، منه ما أنشدناه أبو علي وقرأته على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى في قوله " من الرجز ":
جارية في رمضان الماضي ... تقطّع الحديث بالإيماض
ومنه قول الله تعالى: (هذا مِنْ شيعته وهذا من عدوّه) فقال " هذا " و " هذا " ولم يقل أحدهما كذا والآخر كذا، فكذلك قوله: " بعثت إذا ارتفع المرزم " أي: كنت موصوفا بأني أبعثها إذا ارتفع المرزم.
وقال البريق أيضا من أبيات " من الطويل ":
فواللهِ لولا نعمتي وازْدَريتَها ... للاقيت ما لاقى أبنُ صفوان بالنَّجدِ