التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ٢٠
إذا مَسحوا سبالهم بدُهْنٍ ... ألهفك عَبْدَ للرجل القتيلِ
وضع الواحد موضع الجماعة كبيت الكتاب " من الطويل ":
أتني سُليم قضها بقضيضها ... تسمح حولي بالبقيع سبالها
والعامل في " إذا " محذوف للدلالة عليه من الأبيات التي قبله، كأنه إذا مسحوه فرحوا وجذلوا له، يهجوهم بذلك. ولا يجوز أن يعمل ما بعد الهمزة فيما قبلها أيضا عليه فيجوز أن يضمر له ما يتناوله مما هو في معناه.
فأجابه سارية بن زُنيم من أبيات " من الوافر ":
قَعودٌ في بيوتٍ واضعات ... يشوبون النواطِلَ بالثميل
(١٦) شعر البُريق بن عِياض قال من قصيدة " من الوافر ":
فَرَقَّعْتُ المصادِرَ مستقيماً ... فلا عينا وَجَدْتُ ولا ضِمارا
قال: قيل " المصادر " جمع صَدْر على غير قياس، مثله ما حكاه صاحب الكتاب: شِبْه ومثابه. قال ويروي مستفيئاً أي راجعا، هذا " استفعل " في معنى " فَعَل " وقد تقدم نظائره أي فاء. ومثله " من البسيط ":
عفوا بسهم فلم يُضْرَرْ به أحد ... ثم استفاءوا فقالوا: حبذا الوَضَح
أي رجعوا.
فلا تَنْسَوا أبا زيد لفقدٍ ... إذا الخفرات أجلين الفرارا
قال: أجلين أمرين، أي هرين، وفررن. ينبغي أن يكون " الفرار " هنا مفعولا له أي: هربن للفرار، ومثله من المفعول له وفيه اللام بيت الكتاب " من الرجز ":
يركبُ كُلَّ عاقر جُمِهورِ ... مخافةً وزعَلَ المحسورِ
والهولَ من تهول الهُبورِ
أي وللهول، ومثله لمزاحم " من الطويل ":
لك الخير إن زمعت صرمي وأصبحت ... قوى الحبل بترا حذها الصرم جادف
أي للصرم، وقول الهذلي " من الطويل ":
فلما اصطففن السير والتف كورها ... عليها كما التفت عروش الجداولِ
وفيها:
بمرتجزٍ كأنَ على ذراه ... ركابَ الشام يحملن البُهارا
قال: قالوا البُهار عدل فيه أربعمائة رطل، وقال أبو عمرو: البهار ستمائة رطل. ينبغي أن يكون " فُعالاً " من بهرني الأمر، لأن الثقل بهر حامله.
وفيها:
ألا يا عينِ ما فابكي عُبَيْداً ... وعَبْدَ اللهِ والنفرَ الخيارا
الفاء بعد النداء سببها عندي ما في النداء من معنى الخبر. وذلك قولك " ألا يا نفس فاصطبري " وقوله " من البسيط ":
يا عين فابكي حنيفاً وسط حيهم ... الكاسرين القنا في عورة الدبر
ألا ترى أن معناه: أدعوك فابكي، كما تقول: أثنى عليك فزدني من إحسانك. ويدلك على أن في النداء طرفا من الخبر أن رجلا لو قال لها: " يا وانية " لوجب عليه الحد، كما أنه لو قال لها: " أنت زانية " كان الأمر كذلك.
وعادِية يُهَلِّكُ من يراها ... إذا بُثَّتْ على فَزَعٍ جهارا
ليست " على " هنا مثلها في قولك: بثت الخيل على زيد، وعلى سرح فلان إنما هي للحال كقولك: قدمت على ناقة أي قدمت وناقتُك معك، ووردت البلد على شدة أي والشدةُ مصاحبة حاضرة، ومثله قول الأعشى " من الطويل ":
تضيَّفته يوما فقرَب مقعدي ... وأصفدني على الزمانة قائدا
أي: أصفدني قائدا على ما أنا عليه من الزمانة، ف " على " هذه للحال الأولى في نحو قوله " قدمت على فلان " في موضع المفعول به، ألا ترى أن عبرتها عبرته أي أتيت فلانا، ولذلك تقول: قدمت عليك على ناقة. فالأولى مفعول بها والثانية حال حتى كأنه قال: أتيتك محتاجا، ولو كانتا لمعنى واحد لا اجتمعتا، فكأنه قال: إذا بثت وهناك جزع.
فما أن شائك من أسْدِ تَرْجٍ ... أبو شبلين قد منع الخِدارا
بأجرأ جرأةً منه وأدهى ... إذا ما كارب الموت استدارا
جرأة هنا منصوب على التمييز لا على المصدر وذلك إن " افعل " هذه الموضوعة للمفاضلة نحو: " احسن منك "، و " اكرم منك "، لا يجوز استعمال المصدر معها من قبل إن الغرض في المصدر إنما هو التوكيد و " أفعل " هذه قد استغنت بما فيها من المبالغة عن التوكيد بالمصدر، فكذلك لا تقول: " ما أحسنه حسنا ولا إحسانا " ولا " ما اكرم زيدا كرما ولا إكراما " فإذا كان كذلك كان " جرأة " منصوبا على التمييز كقوله " هذه جرأة جريئة " و " هذا شعر شاعر " وكقوله " من الطويل ":
ولولا دفاع الله ضَلَّ ضلالنا ... ولسرنا إنا نُشَلَ ونوأد