التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ١٨
أمِن القَتولِ منازِل ومُعَرَّسُ ... كالوشم في ضاحي الذراع يكرس
رَدْعُ الخلوقِ بجلدها فكأنه ... رَيْطٌ عتاقٌ في المصان مُضَرَّسُ
قال: " المصان " حيث يصان. اعلم انه يريد هنا الموضع المستقر كالبيت والغرقة والخزانة ونحو ذلك مما لا ينقل فجرى مجرى المَدْخَل والمخرج أي موضع الدخول والخروج، ولو أراد الظرف الذي يصان فيه كالتخت والصندوق لقال: " مصْوَن " كالمحلب والمخيط والمقطع والميزر ونحوه مما ينقل ويستعمل، وكان حينئذ يجب فيه تصحيح العين كما تصح في مِروحة ومِسورة لانه منقوص مما لابد من صحته وهو " مفْعال " كأنه مِراوح ومِسوار.
قال السكري: المصان كل ما صنت به ثوبا. هذا لفظه البتة وهو فاسد لانه إن أراد موضعا ثابتا غير منتقل فتحه، وان أراد ظرفا يصان فيه الثوب كالتخت ونحوه كسر فقال " مِصْوَن " كما تقدم. ومثله قولهم للدرجة " مَرْقاة " بالفتح وللسلم " مرقاة " وكذلك " المَسقاة " الذي يُسقى فيه، والمِسقاة الإناء يسقى به وفيه. قوله: " كل ما صنعت به ثوبا " عبارة شيئة ضيقة لأنه كل ما صين به الثوب وغيره من جميع المصونات، وأما وصف " الربط " بالجميع وهو عناق بالواحد وهو عتيق فجائز، وقد ورد به القرآن وفصيح الكلام. قال الله سبحانه: (وينشئ السَّحابَ الثِّقالَ) ، فجمع. وقال: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا) ، فوحَّدَ، وكلاهما كثير.
يا حَبَّ ما حُبُّ القتولِ وحُبُها ... فلسق، فلا يُنْضِبْكَ حبٌ مُفلِسُ
ينبغي أن يكون " حَبَّ " ترخيم حبة اسم علم أو حبّى كسكرى أو حبّاء كورقاء. وقوله " ما حُبُّ القتول " لفظ استفهام في معنى التعظيم كقول الله تعالى: (ما الحاقة؟) و (ما القارعة؟) . ثم اخبر بعد ذلك فقال: " حبها فَلَس " أي لا نيل معه. ويجوز وجه آخر وهو أن يكون أراد يا حبذا حُبُّ القتول، فوضع " ما " لايهامها موضع " إذا "، إلا أن " ما " نكرة فهي منصوبة الموضع - كقوله " من البسيط ":
" وزاده كلفا في الحب أن منعت " ... وأحَبَّ شيئا إلى الإنسان ما مُنعا
ويجوز أن يكون " ما " معرفة موصولة، والعائد عليها محذوف أي: " يا حَبّ الذي هو حب القتول ". وحذفه كقراءة من قرأ: " تماما على الذي أحسن ". وحذف أيضا المقصود بالمحبة المعلم به محذفه في قوله تعالى: " نِعْمَ العَبْدُ " أي: نعم العبد هو.
وفيها:
يا برق يخفي للقتول كأنِّه ... غابٌ تشيْمه حَريقٌ يُبَّسُ
قال " تشيمه " دخل فيه، هذا من قولهم: شمت السيف، أي أغمدته وقوله: " يخفي " في موضع نصب على الحال أي: يا برق خافيا. معناه ظاهرا ومثله قوله " من السريع ":
يا دار أقوت بعد إصرامها ... عاما وما يُبكيك من عامها
وقد تقدم القول في نظيره.
وقال أبو قلابة أيضا " من الوافر ":
يئست من الحذية أمَّ عمرو ... غداة إذ انتحوني بالجناب
" قال " أبو عمرو: الحذية: العطية. لأم الحذية واو لقوله " من الطويل ":
وقائلةٍ ما كان حذوة بعلها ... غداتئذ من شاء قِرد وكاهل
ولام " انتحوني ": واو لأنه من نحوت الشيء، و " أم عمرو " منصوبة على النداء ويجوز أن يكون مفعول " الحذية " أي: يئست من أن أحذى أم عمرو فأعمل المصدر، وفيه اللام كقوله " من الطويل ":
لقد علمت أولى المغيرة أنني ... كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا
وفيها:
يُصاح بكاهِلٍ حولي وعمروٍ ... وهم كالضارياتِ من الكلاب
لام " ضار " واو لقولهم في مصدره: الضراوة. قال عمر رضى الله عنه: " اتقوا هذه المجازر فأن لها ضراوة كضراوة الخمر "
يسامُونَ الصبوح بذي مُراخٍ ... وأخرى القوم تحت حريق غاب
لا يخلو " مراح " من أن يكون " فُعالاً " أو " مُفْعَلاً ". فأن كان فُعالاً فمن لفظ المَرْخ، وإن كان مُفْعَلاً فهو من لفظ: ريَخت فلانا تربيخا إذا ذللته. قال الراجز:
بمثلهم يريّخ المرَيَخ ... والحسب الأوفى وعزجنبخ
والعين في بادئ الرأي ياء ويجوز أن يكون " مُراخ " مُفاعَلاً من راخيت ولامه واو لا مِن الرخو.
(١٤) وقال أبو بثينة القُرَمي من أبيات " من الوافر ":
فأغريهم ولا أُغري أليّاً ... فدى لصحابةِ المغُرين نفسي