التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ١٥
قال: " صبيّ السيف ": حرفه. ينبغي أن تكون لام صبي واوا لانه من صَبَوتُ أي: مِلتُ وذلك أن حرف السيف مما يُمال إلى الضريبة لضربها، ألا تراه قد قرنه باُنجى وهي " أععْلُ " من نحوتُ نحوَ كذا أي: ملت إليه، فإن قلت فعلَّه من صبَأتُ أي: مِلتُ. فذلك يضعف هنا لانه لو كان منها مخففا لجاز تحقيقه ولم اسمعه محققا، وليس بقياس أن تجعله مما ألزم التخفيف كبرى والنبيّ والبريّة لقلّة ذلك.
وقال عبد مناف من بيتين " من الطويل "
وماليَ فيهم معتَبٌ أن عَتبتُهُ ... عليهم، وما فيهم لدي الظلمِ مَنْصَرُ
يقول لا يعتبونني ولا ينصرونني. ينبغي أن تكون الهاء في " عَتبتهُ " ضمير مصدر فكأنه قال: ان عتبت عتبا عليهم. فأضمره لدلالة فعله عليه كما قال " من مجزوء الكامل ":
مِن كُلّ ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحيّة
أي قد نلت من كلّ شيء قد نلت نيلا. وقوله: " من كل ما نال " هو مفعول نلتُ كقولك من الماء شربت ومن الطعام أكلت فإذا استوفى مفعوله علمت أن الهاء في " نلته " إنما هي ضمير مصدر لا ضمير مفعول، وكذلك قول الآخر وهو من أبيات الكتاب " من البسيط ".
هذا سراقَةُ للقرآن يدرُسُهُ ... والمرء عند الرشا أن يلقها ذيب
أي يدرس درسا. ألا ترى أن قوله " للقرآن " هو مفعول " يدرس "، فإن قلت فإن هذا الفعل لا يتعدى باللام، ألا تراك لا تقول: درست للقرآن، فإنه لما قدمه جاز إلحاق اللام به لأن تقديم المفعول يضعف الفعل شيئا. ألا ترى إلى قول الله تعالى: (إنْ كُنْتُمْ للرؤيا تَعْبُرون) . أي: تعبرونها. فإذا جاز " أريد لأنسى ذكرها وأردت لكيما لا ترى لي ذلّةً، فهو مع التقديم أجوز من ضمير المصدر. قراءة ابن عامر: فبهُداهم اقتدِ ": أي اقتد الاقتداء. ومنه قولهم: من كذب كان شرا له وابلغ من قوله: " من الوافر ":
إذا نُهى السفيهُ إليه ... وخالَفَ والسفيهُ إلى خلاف
أي إلى السَفه، ألا ترى أنه لم يذكر فعلا فيدلّ على مصدره وإنما ذكر اسما وهو السفيه. ودلالة الفعل على مصدره أقوى من دلالة السم عليه، فالهاء إذن ي " عتبنُه " منصوبة على المصدر، ويجوز أيضا أن تكون منصوبة لأنها مفعول له فيصير تقديره: ما فيهم أعتاب إن عتبت له ومن أجله. أي من أجل امتناعه. فحذف المضاف كقوله " من المتقارب ":
وأهلَكَ مهرَ أبيكَ الدواءُ ... ليس له من طعامٍ نصيب
أي فقدُ الدواء. وأنشدناه أبو علي رحمه الله وأنشدنا أيضا معه " من الطويل ":
وإني لاستحيي وفي الحق مستحى ... إذا جاءَ باغي العُرفِ إن أتعذّرا
أي في ترك الحق مستحى. وأنشده الرواة للخنساء " من البسيط ": يا صخرُ ورادّ ماءٍ قد تناذره أهلُ المواردِ ما في ورده عارُ أي ما في ترك ورده، وهو كثير.
ومما اتصل به من شعر أبي ذؤيب:
ردّوا السبيّ والنَّعم ... يا حَبَّذا ريحُ الدم
نظر السيرافي في الحاشية: أظنه عنه مكسور. وهذا في الحقيقة ليس مكسورا وإنما هو من بحر آخر وهو المنسرح. الضرب الثالث ووزنه " يا حبْ بذا ": " مستفعلن ". " ريحُ حُدْ دَم ": " مفعولن " وبيته من البحر " ويلمّ سعد سعدا " فاستعمل ابو ذؤيب " مفعولن " مكان " مستفعلن "، فانتقل من بحر غلى بحر. فأما أن يكون كسرا فلا وذلك أن الشعر المكسور هو الذي لا يقبله وزن من الأوزان فأما إذا قبله بعضا فاعتقاد كسره خطأ.
(١٠) وهذا شعر أبى شهاب قال " من الطويل ":
ألا يا عناءَ القلب من أمِّ عامرٍ ... ودينتهِ من حُبِّ لا يجاوِرُ
فيها: صَناعٌ بأشفاها حَصانٌ بِشكْرِها جَوادٌ بقوت البطن والعِرقُ زاخِرُ لام " الأشفى " ياء لانه من " شفيت ". والتقاؤهما أنه يصل ويشفى من الصنعة كما يصل الدواء ويشفى من المرض. يزيد في انسك بذاك قوله " من الطويل ": وداويتها حتى شتَتَتْ حبشيّةً كأنَّ سندساً وسدوسا فقوله: " داويتها " كقولهم: صنع فرسه، وفي البيت صناع وإنما هو لجودة صنعتها. فهذه مواضع إنما يجمعها التأمل ولطف التوفيق والتوصل.
فإنَّك عمرَ الله أنْ تَسْأليهمُ ... بأحسابِنا إذ ما تجلُّ الكبائِرُ