التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ١٤
وان يكونان اصلين أمثل فتكون فيشلة: " فيعلة " من " د ف ل "، وتكون فيشة كبيضة. ومثله: " عددطيس وطيسل "، فطيس كبيت وطيسل كصيرف. وذهب محمد بن حبيب إلى زيادة اللام في غسل واشتقها من العنس، فوزن غسل على هذا " فَعْللَ ". اللام الثانية زائدة لا محالة. ولو بنيت مثلها من الضرب لقلت: ضَرْبْل، ومن القيام: قومل، ومن البيع: بَيْعلَ. فأما زيادة اللام قي غير هذا فقولهم: ذلك وأولالك وهنالك، وعبدل وزيدل في معنى زيد وعبد الله. وقالوا للأفحج: فحجل. ومثل طيس وطيسل في تداخل الأصلين قولهم: ضَيّاط وضيطار، وجاء بالهيل والهَيلِيان. وقالوا: الهِلِّمان، ومثله رخو ورخود، وأشباهه كثيرة.
وفيها:
فعيني ألا فأبكي دُبَيّة أنه ... وَصولٌ لارحام، ومِعطْاءُ سائل
دببة: علم، فيجوز أن يكون تصغير " دَباة " كقناة وقُنية، وحصاة وحُصيّة. وأما لامه فياء لقولهم: أرض مدببة إذا أصابها الدَّبي. وقد قيل فيما أظن: مَدْبُوَّةٌ، فهي على هذا واو، والفاء الأولى في قوله " فيعن " عاطفة على ما قبلها كالجواب له وهو كقولك، قام زيد فقم معه. فالفاء عاطفة، وكالجواب. وأما الفاء الثانية فكالجواب أيضا لقوله: " ألا "، وذلك أن فيها معنى التنبيه وافتتاح الكلام فكأنه قال: أنبهك يا عيني فابكي. ومثله قوله " من الطويل ".
ألا فاسقياني فَيْهَجا جَيْدَريّة بما سحاب يسبق الحق وباطلي واما همزته " معطاة " فبدل من واو يقال: عطوت الشيء أي تناولته وأعطانيه غيري. قال " من الطويل ":
وتعطو برخص غير شثنٍ ... كأنه أساريع أو مساويك اسحل
وقال الآخر " من الطويل ":
تَحُتُّ بقرنيها بَريرَ أراكه ... وتعطوا بظلفيها إذا الغصن طالها
وقال عبد مناف أيضا " من الكامل ": ولقد أتاكم ما تصوب سيوفنا بعد الهَوَادةَ كُلَّ أحمر صِمْصِمِ " قال " أبو عمرو: بعد الهداوة أي بعد هدوء من الليل. وصمصم ليث من الرجال إذا كان له كلام وعارضة وهم المَلْيَثَةُ والملاوث. تفسير أبي عمرو الهداوة بأنها الهدوء ليس تفسيرا لفظيا، وإنما هو تفسير على المعنى دون اللفظ. وقد يمكن أن تكون الهداوة من لفظ: هدأت إلا انه لو أبدل الهمزة من هدأة واوا كما قالوا في النسب إلى الشاء والماء: شاوى وماوية، وهي المرآة إنما هي منسوبة إلى الماء وبها سميت المرآة لصفائها وبريقها. وعليه بيت الكتاب " من الرجز ":
ورب خرق نازح فَلاتُه ... لا يتفع الساويّ فيها شاتُه
ولا حماراه ولا عَلاتُه ... إذا علاها اقتربت وفاتُه
ويؤكد عندك البدل إنا لا نعرف في اللغة تصريف " هـ د و "، ومثله عندي ما أنشدناه أبو علي " من الطويل ":
موالي حلف لا موالي قرابة ... ولكن قطينا يحلبون الأتاويا
حمله أبو علي على أنه مثل " من مشطور الرجز ":
سماء الإله فوق سبع سمائيا
قالوا: وإذن ابد من همزة الأتآيّ، ولم يذكر البدل. وقد كان الأليق به لو فعل. وقوله: " المليثة " و " الملاوث " ليسا من لفظ واحد وإنما مليئة من الليث كمسبعة من السبع وعينها ياء كما ترى. واما الملاوث فإنه من لاث يلوث، كأنّ الناس يلوثون بهن أمورهم وحوائجهم. رجل ملاث ورجال ملاوث. وأصله مصدر وصف به.
وفيها:
لولا تفلق بالحجارة رأسه ... قبل السيوف أتاكم لم يُكْلَمِ
أراد: لولا ان تفلق فحذف " أنْ " وأوقع الفعل. وقد سبق القول في مثله فيه قول رؤبة " من الرجز ":
لولا يُدالي خفضةَ القدحِ انزرَقْ
وفيها:
كانت على حَيّانَ صولةٍ ... منى فأخضبُ صفحتيهِ من الدمِ
أنث " أولاً " حملا على المعنى كبيت الكتاب " من الكامل ":
الحربُ أولُ ما تكون فُتيّةٌ ... تسعى ببزتها لكل جَهولِ
فيمن رفع " فُتَيَة "، وله نظائر. وقوله " فأخضبُ " أي فخضبت، فوضع المضارع موضع الماضي كما قال: " من الكامل ":
ولقد أمرُّ على اللئيم يسبني ... فمضيت ثُمّتَ قلتُ لا يعنيني
وقد قدمت القول على هذا الفصل.
وفيها: أنْحي صبيَّ السيفِ وسْطَ بيوتهم شقّ المعيّث في أديم المَلْطَمِ