التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ١٣
يقول: افديهم فدية ليس فيها باطل، أي احب أن أفديهم. أما قولهم " فدى " فيحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون منصوبا بفعل مضمر كأنه قال: افديهم فدى، والفراء يمد ويقصر. فقوله: " فدية غير باطل " بدل من قوله " فدى " أو منصوب بفعل آخر دل عليه " فدى ". واللام التي في " لبنى " وصف لفدى، ولا يجوز على هذا أن تعلق اللام بنفس فدى وذلك أن المصدر إنما يعمل إذا كان في تقدير " أنْ والفعل " نحو: عجبت من ضربك زيداً، أي: من أنْ ضربت زيدا. وإذا كان المصدر تابعا لفعله منصوبا نصب المصدر به لم يجز أن يقدر تقدير " أنْ " والفعل. ألا ترى إنك لا تقول: قُمْتُ أَنْ قُمْتَ، كما تقول: قمت قياما. فإذا كان كذلك كانت اللام في قوله: " فدى لبنى عمرو " متعلقة بنفس الفعل الناصب لفدى كما إنك إذا قلت: ضربت ضربا زيداً، فإنك تنصب زيدا بنفس ضربت لا بضرب، فهذا وجه. والآخر: أن يكون مرفوعا لانه خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: أنا فدى لبنى عمرو. فإذا كان كذلك احتملت اللام أمرين. أحدهما: أن يكون صفة لفدى، والآخر: أن تكون متعلقة بنفس " فدى "، فلا يكون فيها أذن ضمير لتعلقها بالظاهر. وإذا كانت صفة كان فيها ضمير لتعلقها بالمحذوف. ووجه ثالث: وهو أن يكون " فدى " هنا مبنيا لوقوعه موقع الأمر، كأنه قال: لأفد بني عمرو، فيكون في " فدى " على هذا ضمير الشاعر عبد مناف، وتكون اللام على هذا متعلقة بنفس " فدى " إلا أنه لما نكرّه نونه كقوله " من البسيط ":
مهلاَ فداء لك الأقوام كلهم ... " وما أثمر من مال ومن ولدِ "
وكما انشد أبو زيد " من الرجز ":
ويهاً فداء لكَ يا فضاله ... " أجرَّه الرمح ولا تهاله "
أي: لأَفدك يا فضالة. ولا يجوز أن تكون اللام في " لبنى " على هذا الوجه وصفا لفدى؛ لأنه جارٍ مجرى الفعل، والفعل لا يجوز وصفه كما إن اللام من " سقياَ لك " لا يجوز أن تكون وصفا لسقياً لوقوعه موقع: سقاك الله وأما قوله: " غداة الصباح "، والغداة لا تكون إلا للصباح دون المساء، فإنما فائدة ذلك إن الصباح وأن كان في الأصل مصدرا واسما لمعنى المصدر ثم ظرفا في قولك: جئتك صباحا، كأنه قد دخله فيما بعد معنى آخر جديد، وهو أنه قد صار كالعبارة عن الغارة وبث الخيل على العدو وكقولهم: هذا من فرسان الصباح، أي فرسان غارة الصباح. قال " من الطويل ":
بجرد تعادى بالكماة شوازبا ... وخَيل إلى داعي الصَباح سراع
فكأنه قال: غداة الغارة. وإذا كان كذلك حصلت فيه الفائدة، ألا ترى أنه ليس كل غداة للغارة كما أن كل غداة لا تكون إلا صبحاً فاعرف ذلك.
هْمُ منعوكم من حُنين ومائِه ... وهم أسلكوكم أَنْفَ عاذِ المطافِلِ
والمطاحل. وروى أبو عمرو: أنف عاد، بالدال غير معجمةٍ. الألف فيهما جميعا منقلبة من عاد يعود، ومن عاذ بالشيء يعوذ. ويجوز فيهما كليهما أن يكونا فاعلا من عدوت ومن العداوة، وهي الأرض المطمئنة التي لا ماء لها فتكون اللام محذوفة لسكونها أو سكون أو سكون اللام بعدها كقولك: عجبت من قاضِ البلد. والقول الأول القوي. ويجوز أيضا أن يكونا فاعلا من عاد يعود، وعاذ يعوذ كأنه من الأصل: عائد وعائذ، إلا أن العين حذفت كلاث وشاكٍ.
وفيها:
وآخرَ عَريان تَعَلَّقَ ثوبُه ... بأهداب غُصْنٍ مُدْرا لم يقاتِلِ
يكون " مدبرا " حالا من الضمير في عريان، ويجوز أن يكون حالا من الهاء في ثوبه. فقد جاءت الحال من المضاف إليه كقوله:
كأنّ حوامَيه مدبرا
وكقوله:
كأنّ سراته لدى البيت قائما
وقد تقدم ذكره.
وفيها:
تركنا ابن حَنواء الحَعور مُجَدَّلا ... لدى نفرٍ رؤوسهم كالفياشلِ
ذهب بعضهم غلى زيادة اللام في " فيثلة " لقولهم في معناها الفيشة قال " من الرجز ":
وفيشة ليست كهذا الفيشِ