التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ١٢

أحقاً أنَّكُمْ لما قَتَلْتُمْ ... ندامايَ الكرامَ هَجَوتموني
" أنَّ " مرفوعة الموضع بالظرف الذي هو حقا، وذلك أن " حقاً " هذه في الأصل إنما هي مصدر: حققت الأمر حقا، ثم أنه استعمل استعمال الظرف فرفع أن كما يرفعها الظرف في قولك: " في غالب ظني أنك منطلق " فإن قلت فلعل موضع " أنَ " نصب بالفعل الذي هو " حقا " مصدره كأنه قال: أتحقون حقا أنكم قتلتم. قيل هذا فاسد، وذلك أن حقا هذه قد أزيلت عن أصلها فأصيرت إلى أحكام الظرف. والدليل على رفض ذلك الأصل والمصير إلى حكم هذا الفرع ما انشده أبو زيد " من الطويل ":
أحقاً بني أبناء سلمى بن جندل ... تهدّدّكم إياي وسْطَ المجالسِ
فارتفاع " تهددكم " به يزيل عنك هذه الشبهة في بابه.
وفيها:
وَرَدْناه بأسيافٍ حِدَادٍ ... خَرَجْنَ قُبيلُ من عِنْدِ القُيوِن
قلما يستعمل البناؤ على الضم في " قبلُ " و " بعدُ " وهما مصغرتان، واكثر ما يأتي البناء فيهما مكبرتين. وعلة ذلك عندي أن بناءهما يلحقهما بضعف الحرف، وتحقيرهما يبقى عليهما قوة الاسم فتنافت الحالان فَقَلَّ لذلك جمعهما. ومما جاء محقرا من ذلك ما أنشدناه محمد بن علي عن أبي إسحاق للشنفري " من الطويل ":
إذا وردت أصدرتها ثم إنها ... تنوب فتأتي من تُحيتُ ومن عَلُ
فأن قلت قد اتسع عنهم تحقير المبنى وذلك في الأسماء الموصولة وأسماء الإشارة نحو قولهم في تحقير ذا: ذيّا، وفي تا: تّيا، وفي الذي: اللذيّا، وفي التي: اللتيا، وفي أُلا: أُليا، وفي أولاء: أُليَاء، وهو واسع وكلها مبني. قيل هذه أسماء لا أصل لها في الإعراب فلما حقرت لم تنجذب إلى تمكن المعرب فاحتمل التحقير مع بنائها كما يحتمل في وصفها نحو: مررت بهذا العاقل، وبالذي في الدار الظريف. والتحقير ضرب من الوصف يعرض للاسم. قال أبو علي: ألا ترى إ، فائدة قولك: مررت بدويرة، وهو فائدة قولك: مررت بدار صغيرة. وليس كذلك " قبلُ " و " بعد " و " تحت " من قبل أن هذه أسماء معربة الأصول في نحو: جئت قبلك ومن قبلك وبعدك ومن بعدِك، وصار تحتك ومن تحتِك. وإنما بُنيت في بعض المواضع لشبه ما من شبه الحرف عارضها، فلما كان أصلها الإعراب وكثر به الاستعمال كرهوا أن يدخلها التحقير وهو من خواص الاسم فيقوي فيها من قوة الاسمية، وأن يصيروها إلى ضعف الحرف ببنائها لأن ما فيها من قوة الاسمية أنهضها وجذب بصبعها عن ضعف الحرفية فلذلك قَلَّ البناء في محقرها لتدافع الأمرين. وإنما جاز بعد ذلك البناء لأن المحقر في كثير من المواضع مراعى في حكم المكبر، ألا ترى إنك تقول في تحقير " مقام ": مُقيِّم بالإعلال لا غير؛ لاعتلال مكبره، وتقول في " مِقْوَد ": مُقَيْوِد، فتصحه لصحة مكبره. فكما جاز تحقير " قبلُ " و " بعدُ " معربين كذلك جاز تحقيرهما - وأنْ قَلَّ - مبنية. هذا وجه جواز هذا، وذلك وجه امتناعه، فلذلك تعدَّل الأمر فيهما أو كاد.
وقال عبد مناف بن ربع الجربي أيضا " من الطويل ":
أَلا ليتَ جَيْشَ العَيْر لاقوا كتيبةً ... ثلاثين منا ضَرْعَ ذاتِ الحفائِلِ
" الحفائل " يجوز في القياس همزه من وجه وترك همزه من آخر، أما وجه همزه فأن يكون واحده حفلية أو حُفالة أو نحو ذلك فجرى مجرى سفينة وسفائن ورسالة ورسائل وحُسالة وحسائل ودجاجة ودجائج وركوبة وركائب. وأما وجه ترك همزه فأن يكون في واحده باء متحركة نحو حِشْيَل وحثايل وعِثْيَر وعثاير، فكأنه اذن " حَفْيَل " و " حفايل " أو " عُليُب " و " علايب ".
فِدى لبنى عَمْرو وآل مُؤَمِّلٍ ... غَداةَ الصباحِ فِديةً غَيْرَ باطِلِ