التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري

التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري - ابن جني - الصفحة ١٠

لَعَلَّكَ يا أبحُّ حَسبت أني ... قتلتُ الأسْوَدَ الحسنَ الكريما
أخذتم عقله وتركتموه ... يَسوق الظُمْىَ وَسْطَ بني تميما
ذهب بتميم إلى القبيلة فلم يصرفه، كبيت الكتاب " من الكامل ":
غَلَبَ المساميحَ الوليدُ سماحةً ... وكفى قريشَ المعضلات وسادها
قال قلت: فلعله ذهب إلى حذف التنوين لالتقاء الساكنين كقوله " من الرجز ":
إذا غُطيف السلمىَ فَرَا
قيل: ما ذهب إليه صاحب الكتاب من إنه ذهب بقريش إلى القبيلة فلم يصرفه أولى، ألا تراه قال " وسادها " ولم يقل: وساده، وهذا هو الوجه ونظائره كثيرة.
(٩) شعر عبد مناف بن ربع الجربي " وهو " من بني جريب. قال " من البسيط ":
ماذا يَغيرُ أبنتي ربْعِ عويلهما ... لا ترقدان ولا بؤسي لمن رقدا
قال: يقال خرج فلان يغير أهله ويميرهم، والمصدر " الغير " و " الغيار " يقول فما يرد عليهما بكاؤهما وما ينفعهما. اعلم إن " ذا " في هذا الموضع يحتمل أمرين أن يكون مع " ما " بمنزلة اسم واحد كقراءة من قرأ: (ماذا انزلَ رُبَكم؟ قالوا خيرا) بالنصب وإن " يكون " بمنزلة الذي كقراءة من قرأ: " قالوا خيرٌ ". وكالوجه الأول قوله " من الوافر ".
دعى ماذا علمت سأتقيه
ألا ترى أن معناه: دعى شيئا علمته سأتقيه، ولا يكون معناه دعى ما الذي علمته. فإذا جعلت " ماذا " في بيت الهذلي هذا بمنزلة اسم واحد احتمل ذلك الاسم أمرين: أحدهما أن يكون مصدرا البتة حتى كأنه قال: أي نفع ينفع ابنتي ربع عويلهما انفعا ما معذرا، كقولك: أي سرور يسركما غلامكما أسروراً معتدا أم سرورا كلا ولا، فهذا وجه. والآخر أن يكون ذلك الاسم الدال عليه " ماذا " غير مقصور على جنس واحد من المصدر دون غيره كقولك: أي شيء يرد عليهما عويلهما؟ كما تقول: أي شيء تحصل في هذه الحال أفضة أم ذهبا أم كسوة أم عقارا أم منزلة أم جاها. فان جعلت " ذا " بمنزلة " الذي " كان هناك محذوف عائد إلى الموصول من الصلة، وكان " الذي " مصدرا في المعنى أي: ما الغير الذي يغيره ابنتي ربع عويلهما، كقولك: ما الضرب الذي يضربه زيدا غلامه. وإن شئت كان " الذي " شائعا لا يخص جنسا دون جنس كقولك: ما الشيء الذي يرده عليهما بكاؤهما أمال أم عقار أم ضيعة أم احتساب وسلوة؟. وقد أطال أبو علي رحمه الله في تفسير هذا البيت في تذكرته وغيرها من مصنفاته.
فأما قوله " لا ترقدان " فيحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون ذا موضع من الإعراب. والآخر أن يكون غير ذي موضع منه. فإذا كان ذا موضع منه احتمل أمرين، أحدهما: أن يكون حالا من " هما " أي عويلهما غير راقدتين، وأن شئت كان خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: هما لا ترقدان فيكون في هذا الوجه رفعا كما كان في الذي قبله نصبا. الوجه الآخر: من القسمة الأولى أن تكون غير ذي موضع بل يكون مستأنفا غير واقع موقع المفرد.
وأما قوله " ولا بؤسى لمن رقدا " فيجوز أن يكون " بؤس " في موضع فتح لبنائها مع " لا " كقول الله سبحانه: " لا بُشرى يومئذ للمجرمين " وقوله: " لمن رقدا " خبر عنه. ويجوز على هذا أن يكون قوله " لمن رقدا " صفة ل " بُؤسى "، والخبر محذوف. فإذا أنت فعلت هذا لم يجز أن يكون قوله " لمن رقدا " مبنيا مع " بؤسى " كما يبنى ظريف مع رجل في قولك " لا رجلَ ظريفَ " من قبل أن ظريفا جزء واحد فجائز أن يجعل مع الجزء الأول الذي هو رجل كالاسم الواحد.
وأما قوله " لمن رقدا " فإنه ثلاثة أشياء فلا يجوز أن يجعل مع غيره كالاسم الواحد لطول ذلك، ويجوز أيضا أن تُعلق اللام في قوله " لمن رقدا " بنفس بؤسى، فإذا فعلت ذلك اعتقدت في بؤسى التنوين لطول الاسم بما عمل فيه وحذفت الخبر، إلا أنه لما لم ينصرف لم يبن فيه تنوينه، ويجوز أيضا أن يجعل " لا " كليس فتعتقد رفع برسى كقوله " من مجزوء الكامل ":
" مَنْ فَرَّ عن نيرانها " ... فإنا ابنُ قيس لا بَراح