سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٨٨
مُتْقَناً، أَديباً، فَاضِلاً، كَانَ حُفَّاظ بَغْدَاد يَكتُبُوْنَ عَنْهُ، وَيَشهدُوْنَ بِصِحَّة سَمَاعه. وَسَمِعْتُ عَبْدَ الوَهَّاب الأَنْمَاطِيَّ يَقُوْلُ: ضَاع الجزءُ الرَّابِع مِنْ "جَامِع عَبْد الرَّزَّاقِ" لابْنِ عَاصِم، وَكَانَ سَمَاعَه، قرَؤُوهُ عَلَيْهِ بِالسَّمَاع، وَضَاع، فَكَانَ بَعْدُ يَرْوِيْهِ بِالإِجَازَة، فَلَمَّا كَانَ قَبْل مَوْته بِأَيَّام، جَاءنِي شُجَاع الذُّهْلِيّ وَقَدْ لَقِيَهُ، فَقَالَ: تَعَال حَتَّى نَسمعه. فَأَرِينَاهُ الأَصْلَ، فَسَجَدَ للهِ، وَقرَأَنَاهُ عَلَيْهِ بِالسَّمَاع، وقال لي عبد الوَهَّاب: كَانَ عَاصِم عَفِيْفاً، نَزِهَ النَفْسِ، صَالِحاً، رَقِيق الشِّعر، مليحَ الطّبع، قَالَ لِي: مرضتُ، فغسلتُ ديوَان شِعرِي.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ بنُ سُكَّرَة: كَانَ عَاصِمٌ ثِقَةً فَاضِلاً، ذَا شِعر كَثِيْر، وَكَانَ يُكرمنِي، وَكَانَ لِي مِنْهُ مِيْعَادٌ يَوْمَ الخَمِيْسِ، لَوْ أَتَاهُ فِيْهِ الخَلِيْفَةُ لَمْ يُمكِّنه.
وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ صَاحِبَ مُلَحٍ وَنوَادرَ وَلُطْف، وَكَيْسٍ وَنظمٍ رَائِقٍ. عُمِّر، وَرحلُوا إِلَيه، وَكَانَ وَرِعاً، خيِّراً، صَالِحاً. مَاتَ: فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة بِبَغْدَادَ وله ست وثمانون سنة.
٤٤١٣- الكُرْكَانجي ١:
شَيْخُ القُرَّاءِ بِخُرَاسَانَ، أَبُو نَصْرٍ، مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَلِيِّ بنِ حَامِدٍ المَرْوَزِيُّ، سَكَنَ جرجانية خوارزم مدة، فنسب إليها.
أَخَذَ القِرَاءات وَالآدَابَ بِمَرْو, عَنْ أَبِي الحُسَيْنِ عَبْد الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّدٍ الدّهّان، ثُمَّ ارْتَحَلَ، فَلَحِق الحمامِيَّ بِبَغْدَادَ، فَتَلاَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الرُّهَاوِيّ بِدِمَشْقَ، وَعَلَى الشَّرِيْف الزِّيديّ بِحَرَّانَ، وَعَلَى جَمَاعَة كِبَارِ، وَانتهت إِلَيْهِ الإِمَامَةُ فِي القِرَاءات.
تَخَرَّجَ بِهِ أَئِمَّة، وَعَاشَ نِيّفاً وَتِسْعِيْنَ سَنَةً. قَالَهُ وَلدُه الإِمَام المُقْرِئ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي ثَانِي عشر ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، وَلَهُ تَرْجَمَة طويلة في "طبقات القراء".
١ ترجمته في الأنساب للسمعاني "١٠/ ٣٩٨"، واللباب لابن الأثير "٣/ ٩٢"، والمنتظم لابن الجوزي "٩/ ٦٠"، ومعجم الأدباء لياقوت الحموي "١٧/ ٢٣٠"، والعبر "٣/ ٣٠٥- ٣٠٦"، والوافي بالوفيات لصلاح الدين الصفدي "٢/ ٨٨"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "٥/ ١٣٣"، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي "٣/ ٣٧٢".