سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ١٢٦
يولى ابن بنته جعفرًا، وأن يسلم ببغداد إِلَيْهِ، وَيَتحَوَّل إِلَى البَصْرَةِ، فَشقَّ عَلَى الْمُقْتَدِي، وَحَار، ثُمَّ طَلَب المُهلَة عَشْرَة أَيَّام لِيَتَجَهَّز، فَصَام وَطوَى، وَجَلَسَ عَلَى التُّرَاب، وَتضرَّع إِلَى رَبِّهُ، فَقوِيَ بِالسُّلْطَان المرضُ، وَمَاتَ فِي شَوَّال سَنَةَ خمسٍ وَثَمَانِيْنَ عَنْ تسعٍ وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً، فَقِيْلَ: سُمَّ فِي خلالٍ تَخَلَّلَ بِهِ، وَكَانَ وَزِيْرُهُ النِّظَام قَدْ قُتِلَ مِنْ أَيَّام، وَلَمْ يَشْهَدِ السُّلْطَانَ كَبِيْرُ أَحَد، وَلاَ عُمِلَ لَهُ عزَاء، وَنُقِلَ تَابوته إِلَى أَصْبَهَانَ، فَدُفِنَ فِي مدرسةٍ عَظِيْمَة.
وَقَدْ تَزَوَّجَ المُسْتظهرُ بِاللهِ بِخَاتُوْنَ بِنْتِهِ الأُخْرَى، وَتنَازع فِي المُلك أَوْلاَدُهُ مِنْ بَعْدِهُ زَمَاناً، وَكَانَ آخِرُهُم مَوْتاً ابْنُهُ سَنْجَر صَاحِبُ خُرَاسَان، عَاشَ بَعْدَ أَبِيْهِ أَقلَّ مِنْ سَبعِينَ سَنَةً. وَكَانَ ملكشَاهُ كَثِيْرَ الجُيُوْش، خفِيفَ الرِّكَاب. عبر فِي سَنَةِ "٤٨٢" إِلَى مَا وَرَاء النَّهْر، فَسَارَ إِلَى بُخَارَى، وَسَمَرْقَنْد، فَتَمَلَّكَهَا، ثُمَّ سَارَ فِي بلاَد التُّرك إِلَى كَاشْغَر، فَأَذعَن صَاحِبُهَا بطَاعته، وَنَزَلَ إِلَى خِدمته.
قَالَ المُؤَيَّد فِي "تَارِيْخِهِ": كَانَ مِنْ أَحْسَن النَّاسِ صُوْرَةً ومعنى، خُطِبَ لَهُ مِنْ حُدُوْد الصِّينِ إِلَى آخِرِ الشَّام، وَمِنْ مَمْلَكَة الرُّوْم إِلَى اليَمَنِ، وَقَصَدَ حلب، فَافْتَتَحَهَا، وَدَانَت لَهُ الدُّنْيَا.
٤٤٥٨- المُعْتمِد بن عَبَّاد ١:
صَاحِبُ الأَنْدَلُس، المُعْتَمِدُ عَلَى اللهِ أَبُو القَاسِمِ محمد بن الملك المعتضد بالله أبي عمرو، عباد بن الظَّافر بِاللهِ أَبِي القَاسِمِ، قَاضِي إِشبيليَة، ثُمَّ مَلِكُهَا، مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيْلَ بن قُرَيْش اللَّخْمِيّ.
قِيْلَ: هُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ النُّعْمَان بن المُنْذِرِ صَاحِبِ الحِيرَة.
حكم المُعْتَمِدُ عَلَى المدينَتينِ قُرْطُبَة وَإِشبيليَة، وَأَصلُهُم مِنَ الشَّام مِنْ بَلَدِ العَرِيشِ، فَدَخَلَ أَبُو الوَلِيْدِ إِسْمَاعِيْلُ بن قُرَيْش إِلَى الأَنْدَلُسِ، ثُمَّ بَرَعَ القَاضِي فِي الفِقْه، وَوَلِيَ القَضَاءَ، ثُمَّ تَمَلَّكَ مُدَّةً، وَقَامَ مِنْ بَعْدِهِ ابْنُهُ المُعْتَضِدُ، فَسَاسَ المَمْلَكَة بِإِشبيليَة، وَبَايعُوْهُ بِالمُلك فِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَثَلاَثِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ.
وَكَانَ شَهْماً، صَارِماً، دَاهِيَةً، ذَبَحَ جَمَاعَةً مِنْ أَعْوَان أَبِيْهِ، وَصَادَرْهم، وَعلاَ شَأْنُهُ، وَدَانت لَهُ الأُمَمُ.
١ ترجمته في وفيات الأعيان لابن خلكان "٥/ ٢١"، والعبر "٣/ ٣٢١"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "٥/ ١٥٧"، وشذرات الذهب لابن العماد "٣/ ٣٨٦".