سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٤٥٦
فِي مَوْكِبِ النِّظَامِ، فَوَقَعَ نَعلِي، فَمَا الْتَفَتُّ، وَرَمَيتُ الأُخْرَى، فَأَمسَكَ النِّظَامُ الدَّابَّةَ، وَقَالَ: أَيْنَ نَعْلاَكَ? فَقُلْتُ: وَقَعَ أَحَدُهُمَا، فَخَشِيتُ أَنْ تَسبِقَنِي إِنْ وَقَفتُ. قَالَ: فَلِمَ رَمَيتَ الأُخْرَى? فَقُلْتُ: لأَنَّ شَيْخِي أَخْبَرَنَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَمْشِيَ الرَّجُلُ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ[١]، فَمَا أَرَدتُ أَنْ أُخَالِفَ السُّنَّةَ. فَأَعْجَبَهُ، وَقَالَ: أَكْتُبُ -إِنْ شَاءَ اللهُ- حَتَّى يَرْجِعَ شَيْخُكَ إِلَى هَرَاةَ. وَقَالَ لِي: اركَبْ بَعْضَ الجَنَائِبِ، فَأَبَيْتُ، وَعَرَضَ عَلَيَّ مَالاً، فَأَبَيْتُ.
قَالَ لِي ابْنُهُ: وَقُدِّمَ أَبِي بِأَصْبَهَانَ لِيُصلَبَ بَعْدَ أَنْ حَبَسُوهُ مُدَّةً، فَقَالَ لَهُ الجَلاَّدُ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ: لَيْسَ ذَا وَقتَ صَلاَةٍ، اشْتَغِلْ بِمَا أُمرتَ بِهِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ شَيْخِي يَقُوْلُ: إِذَا عَلَّقْتَ الشَّعيرَ عَلَى الدَّابَةِ فِي أَسفَلِ العَقَبَةِ، لاَ تُوصِلُكَ فِي الحَالِ إِلَى أَعلاَهَا، الصَّلاَةُ نَافِعَةٌ فِي الرَّخَاءِ لاَ فِي حَالَةِ البَأْسِ. فَوَصَلَ مُسْرِعٌ مِنَ السُّلْطَانِ وَمَعَهُ الخَاتَمُ بِتَسرِيحِهِ، كَانَتِ الخَاتُوْنُ مَعنِيَّةً فِي حَقِّهِ، فَلَمَّا أُطلِقَ، رَجَعَ إِلَى التَّظَلُّمِ وَالتَّشنِيعِ.
قَالَ السَّمْعَانِيُّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الخَالِقِ بنَ زِيَادٍ يَقُوْلُ: أَمرَ بَعْضُ الأُمَرَاءِ أَنْ يُضرَبَ عَطَاءٌ الفُقَّاعِيُّ فِي مِحْنَةِ الشَّهِيْد عَبْدِ الهَادِي بنِ شَيْخِ الإِسْلاَمِ مائَةً، فَبُطِحَ عَلَى وَجْهِه، فَكَانَ يُضرَبُ إِلَى أَنْ ضُرِبَ سِتِّيْنَ، فَشَكُّوا كَمْ ضُرِبَ خَمْسِيْنَ أَوْ سِتِّيْنَ? فَقَالَ عَطَاءٌ: خُذُوا بِالأَقلِّ احتِيَاطاً، وَحُبِسَ مَعَ نِسَاءٍ، وَكَانَ فِي المَوْضِعِ أَترسَةٌ، فَقَامَ بِجُهدٍ مِنَ الضَّربِ، وَأَقَامَ الأَترِسَةَ بَيْنَهُ وَبَينَهُنَّ، وَقَالَ: نَهَى رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الخَلوَةِ بِالأَجْنَبِيَّةِ[٢].
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَطَاءٍ: تُوُفِّيَ أَبِي تَقدِيراً سَنَةَ خمس وثلاثين وخمس مائة.
[١] صحيح: أخرجه مسلم "٢٠٩٩"، من حديث جابر بن عبد الله، به.
[٢] ورد عن ابن عباس أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُوْلُ: "لاَ يخلون رجل بامرأة ولا تسافر إلا ومعها ذو محرم" أخرجه الشافعي "[١]/ ٢٨٦"، وأحمد "[١]/ ٢٢٢"، والبخاري "٣٠٠٦" و "٥٢٣٣"، ومسلم "١٣٤١"، وابن خزيمة "٢٥٢٩"، والطحاوي "٢/ ١١٢"، والبيهقي "٣/ ١٣٩" و "٥/ ٢٢٦"، والبغوي "١٨٤٩" من طريق سفيان قال: حدثنا عمرو بن دينار عن أبي معبد، عن ابن عباس، به.
٤٨٣٣- الزَّوْزَنِي ١:
الشَّيْخُ المُسْنِدُ الكَبِيْرُ، أَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ مَحْمُوْدِ بنِ مَاخُرَّةَ الزَّوْزَنِيُّ، ثُمَّ البَغْدَادِيُّ، مِنْ مَشَاهِيْرِ الصَّوَفَةِ.
وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ.
قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: مَاتَ فِي شَعْبَانَ, سَنَةَ سِتٍّ وَثَلاَثِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.
وَفِيْهَا مَاتَ: شَيْخُ الحَنَفِيَّةِ العَلاَّمَةُ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ مَازَةَ البُخَارِيُّ الحَنَفِيُّ، وَمُحَدِّثُ بَغْدَادَ أَبُو القَاسِمِ إِسْمَاعِيْلُ بنُ أَحْمَدَ بنِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَزَاهِدُ الأَنْدَلُسِ أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مُوْسَى ابْنُ العَرِيْفِ الصنهاجي الصوفي المقرىء، وَفَقِيْهُ مَرْوَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَحْمَدَ المَرْوَرُّوْذِيُّ، وَالحُسَيْنُ بنُ أَحْمَدَ بنِ فُطَيْمَةَ البَيْهَقِيُّ، وَعَبْدُ الجَبَّارِ بنُ مُحَمَّدٍ الخُوَارِيُّ، وَالزَّاهِدُ أَبُو الحَكَمِ بنُ بَرَّجَانَ الإِشْبِيْلِيُّ، وَشَرَفُ الإِسْلاَمِ أَبُو القاسم عبد الوهاب بن الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ الحَنْبَلِيُّ، وَالعَلاَّمَةُ أَبُو عَبْدِ الله محمد بن علي المازري المَالِكِيُّ، وَالعَلاَّمَةُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ سُلَيْمَانَ البُوْنِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ، وَأَبُو الكَرَمِ نَصْرُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الجَلَخْتِ الوَاسِطِيُّ، وهبة الله بن أحمد بن طاوس إِمَامُ جَامِعِ دِمَشْقَ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بنُ علي بن الطراح.
[١] ترجمته في المنتظم لابن الجوزي "١٠/ ٩٧- ٩٨"، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي "٥/ ٢٦٩"، وشذرات الذهب لابن العماد "٤/ ١١٢".