سير اعلام النبلاء - ط الحديث - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٣١١
قَالَ الغَزَّالِي فِي "سِرِّ العَالمين": شَاهَدتُ قِصَّة الحَسَن بنِ الصَّبَّاحِ لَمَّا تَزَهَّد تَحْتَ حِصن الأَلَموت، فَكَانَ أَهْلُ الْحصن يَتمنَّوْنَ صُعُوْدَه، وَيَتَمَنَّعُ وَيَقُوْلُ: أَمَا تَرَوْنَ المُنْكَرَ كَيْفَ فَشَا، وَفَسَدَ النَّاسُ، فَصَبَا إِلَيْهِ خلق، وَذَهَبَ أَمِيْرُ الحِصن يَتَصَيَّدُ، فَوَثَبَ عَلَى الْحصن فَتملَّكَه، وَبَعَثَ إِلَى الأَمِيْرِ مَنْ قَتَلَهُ، وَكثرت قِلاعُهُم، وَاشْتَغَل عَنْهُم أَوْلاَدُ مَلِكْشَاه بِاخْتِلاَفِهِم.
وَلابْنِ البَاقِلاَّنِي، وَالغزَالِي، وَعَبْدِ الجَبَّارِ المُعْتَزِلِي كتبٌ فِي فَضَائِح هَؤُلاَءِ.
قَالَ ابْنُ الأَثِيْرِ: وَفِي سَنَةِ "٤٩٤" أَمر السُّلْطَانُ بَرْكْيَارُوْق بقتل الباطنية، وهم الإسماعيلية، وهو الذين كانوا قدمًا يُسَمَّوْنَ القرَامِطَةَ.
قَالَ: وَتَجرد بِأَصْبَهَانَ لِلانتقَامِ مِنْهُم الخُجَنْدِيُّ، وَجَمَعَ الجمَّ الغفِيرَ بِالأَسلحَة، وَأَمر بِحفرِ أَخَادِيدَ أُوقِدَتْ فِيْهَا النِّيرَانُ، وَجَعَلُوا يَأْتُوْنَ بِهِم، وَيُلقُونَهُم فِي النَّارِ، إِلَى أَنْ قتلُوا مِنْهُم خَلقاً كَثِيْراً.
قَالَ: وَكَانَ ابْنُ صَبَّاح شَهْماً، عَالِماً بِالهندسَة وَالنُّجُوْم وَالسّحر، مِنْ تلاَمذَة ابْنِ غَطَّاشٍ الطَّبِيْب الَّذِي تَملَّك قَلْعَة أَصْبَهَان، وَمِمَّنْ دخل بمصر على المستنصر، فأعطاه مالًا، وأمر بِالدعوَة لابْنِهِ نِزَار، وَهُوَ الَّذِي بَعَثَ مَنْ قتل نِظَام الْملك، وَقَدْ قتل صَاحِبُ كِرْمَان أَرْبَعَة آلاَف لِكَوْنِهِم سُنَّةً، وَاسْمُهُ تيرَانشَاه السَّلْجُوْقِي، حَسَّن لَهُ رَأْيَ البَاطِنِيَّة أَبُو زُرْعَةَ الكَاتِب، فَانسلخَ مِنَ الدِّينِ، وَقَتَلَ أَحْمَد بن الحُسَيْنِ البَلْخِيّ شَيْخُ الحَنَفِيَّة، فَقَامَ عَلَيْهِ جندُه وَحَاربوهُ، فَذلَّ، وَتَبِعَهُ عَسْكَر، فَقتلُوْهُ، وَقتلُوا أَبَا زُرْعَةَ، وَصَارَت الأُمَرَاءُ يُلاَزمُوْنَ لُبْس الدُّرُوْع تَحْتَ الثِّيَاب خوَفاً مِنْ فَتكِ هَؤُلاَءِ الملاَحدَةِ، وَركب السُّلْطَان بَرْكْيَارُوْق فِي تَطلُّبِهِم، وَدَوَّخهُم، حَتَّى قتلَ جَمَاعَةً بُرَآء، سَعَى بِهِم الأَعْدَاءُ، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ أَهْل عَانَة، وَاتُّهم إِلكيَا الهَرَّاسِي بِأَنَّهُ مِنْهُم، وَحَاشَاهُ، فَأَمر السُّلْطَانُ مُحَمَّد بن مَلِكْشَاه بِأَنْ يُؤْخَذَ، حَتَّى شَهِدُوا لَهُ بِالخَيْرِ، فَأُطلق.
وَفِيْهَا كَسَرَ دُقَاق صَاحِبُ دِمَشْق الفِرَنْجَ، وَحَاصَرَ صَاحِبُ القُدْس كندفرِي عكَّا، فَقُتِلَ بِسَهمٍ، وَتَملَّكَ أَخُوْهُ بغدوين، وأخذت الفرنج سروج بِالسَّيْف، وَأَرْسُوفَ وَحَيْفَا بِالأَمَان، وَقَيْسَارِيَّةَ عَنْوَةً.
وَفِي سَنَةِ "٤٥٩": مَاتَ المُسْتعلِي صَاحِبُ مِصْر، وَوَلِيَ الآمِرُ، وَكَانَتْ حروبٌ بَيْنَ الأَخوينِ بَرْكْيَارُوْق وَمُحَمَّد، وَبلاَءٌ وَحصَار، وَنَازلت الفِرَنْجُ طَرَابُلُس، فَسَارَ لِلْكشف عَنْهَا جُنْدُ دِمَشْقَ وَحِمْصَ، فَانكسرُوا، ثُمَّ التَقَى العَسْكَر، وَبغدوين، فَهَزمُوْهُ، وَقَلَّ مَنْ نَجَا مِنْ أَبْطَاله، وَظَفِرَ ثلاثةٌ مِنَ البَاطِنِيَّة عَلَى جَنَاحِ الدَّوْلَة صَاحِب حِمْص، فَقَتَلُوْهُ فِي الجَامِع،