الطبقات الكبرى متمم التابعين محققا - ابن سعد - الصفحة ٤١٤
وَهُوَ يَسْتَمِعُ لِقَوْلِهِ، فلمَّا قَضَى حَدِيثَهُ -وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ إِفْطَارِهِ- قُلْتُ لَهُ: قُمْ تغدَّ قَالَ: دَعْهُ الْيَوْمَ، قَالَ: فَسَرَدَ[١] مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى أَنْ مَاتَ. وَكَانَ شَدِيدَ[٢] الْحَالِ، يتعشَّ بِالْخُبْزِ وَالزَّيْتِ، وَكَانَ لَهُ طَيْلَسان[٣] وَقَمِيصٌ، فَكَانَ يَشْتُو فِيهِ ويُصَيَّف، وَكَانَ مِنْ رِجَالِ النَّاسِ صَرَامَةً وَقُولًا بِالْحَقِّ[٤] وَكَانَ يتَشَبَّب[٥] فِي حَدَاثَتِهِ حَتَّى كَبِرَ وَطَلَبَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ: لَوْ طَلَبْتُهُ وَأَنَا صَغِيرٌ كُنْتُ أَدْرَكْتُ مشايخَ فَرَّطْتُ فِيهِمْ، وَكُنْتُ أَتَهَاوَنُ بِهَذَا الْأَمْرِ حَتَّى كَبِرْتُ وَعَقَلْتُ. وَكَانَ يَحْفَظُ حَدِيثَهُ كلَّه، لَمْ يَكُنْ لَهُ كِتَابٌ[٦]، وَلَا شَيْءَ يُنْظَرُ فِيهِ، وَلَا لَهُ حَدِيثٌ مُثبت فِي شَيْءٍ) [٧].
قَالَ: "وَسَأَلْتُ سَلاَّمة أم ولده، أله كَتَبَ؟ قَالَتْ: لَا، مَا لَهُ كِتَابٌ وَاحِدٌ".
[١] سرد: يعني سرد أي تابعه بلا انقطاع.
[٢] وفي تهذيب التهذيب ٩/٣٠٥. (سديد الحال) بالسين المهملة. وردت نقلاً عن الواقدي.
[٣] الطيلسان: نوع من الألبسة ذات اللون الأسود. وأكثر استعماله في الشتاء. وهو فارسي معرب من (تالسان) . (انظر: تهذيب اللغة ١٢/٣٣٣. وتاج العروس ٤/١٧٩ مادة: طَلَسَ) .
[٤] أوردها الذهبي في التذكرة ١/١٩٢. من قوله (فسرد من ذلك اليوم....الخ) . بألفاظ مقاربة. ونقل ابن حجر في تهذيب التهذيب ٩/٣٠٥. الجملة الأخيرة فقط.
[٥] يتشبب في حداثته: أي كان في صغره منصرفاً عن طلب العلم إلى اللعب شأنه شأن عامة الصغار.
(انظر: تاج العروس ١/٣٠٨مادة: شَبَبَ) .
[٦] أوردها الذهبي في التذكرة ١/١٩٢. نقلاً عن الواقدي من قوله (وكان يحفظ ... الخ) .
[٧] تاريخ بغداد ٢/٣٠١-٣٠٢. وردت فيه من أول رواية محمد بن عمر. ويضع (ينسب) بالنون والسين المهملة آخرها موحدة. بدل (يتشبب) والمعنى واحد. أخرجها من طريق الحارث بن أبي أسامة، عن ابن سعد.