گفتگوي تمدن ها
 
٧ ص
٨ ص
٩ ص
١٠ ص
١١ ص
١٢ ص
١٣ ص
١٤ ص
١٥ ص
١٦ ص
١٧ ص
١٨ ص
١٩ ص
٢٠ ص
٢١ ص
٢٢ ص
٢٣ ص
٢٤ ص
٢٥ ص
٢٦ ص
٢٧ ص
٢٨ ص
٢٩ ص
٣٠ ص
٣١ ص
٣٢ ص
٣٣ ص
٣٤ ص
٣٥ ص
٣٦ ص
٣٧ ص
٣٨ ص
٣٩ ص
٤٠ ص
٤١ ص
٤٢ ص
٤٣ ص
٤٤ ص
٤٥ ص
٤٦ ص
٤٧ ص
٤٨ ص
٤٩ ص
٥٠ ص
٥١ ص
٥٢ ص
٥٣ ص
٥٤ ص
٥٥ ص
٥٦ ص
٥٧ ص
٥٨ ص
٥٩ ص
٦٠ ص
٦١ ص
٦٢ ص
٦٣ ص
٦٤ ص
٦٥ ص
٦٦ ص
٦٧ ص
٦٨ ص
٦٩ ص
٧٠ ص
٧١ ص
٧٢ ص
٧٣ ص
٧٤ ص
٧٥ ص
٧٦ ص
٧٧ ص
٧٨ ص
٧٩ ص
٨٠ ص
٨١ ص
٨٢ ص
٨٣ ص
٨٤ ص
٨٥ ص
٨٦ ص
٨٧ ص
٨٨ ص
٨٩ ص
٩٠ ص
٩١ ص
٩٢ ص
٩٣ ص
٩٤ ص
٩٥ ص
٩٦ ص
٩٧ ص
٩٨ ص
٩٩ ص
١٠٠ ص
١٠١ ص
١٠٢ ص
١٠٣ ص
١٠٤ ص
١٠٥ ص
١٠٦ ص
١٠٧ ص
١٠٨ ص
١٠٩ ص
١١٠ ص
١١١ ص
١١٢ ص
١١٣ ص
١١٤ ص
١١٥ ص
١١٦ ص
١١٧ ص
١١٨ ص
١١٩ ص
١٢٠ ص
١٢١ ص
١٢٢ ص
١٢٣ ص
١٢٤ ص
١٢٥ ص
١٢٦ ص
١٢٧ ص
١٢٨ ص
١٢٩ ص
١٣٠ ص
١٣١ ص
١٣٢ ص
١٣٣ ص
١٣٤ ص
١٣٥ ص
١٣٦ ص
١٣٧ ص
١٣٨ ص
١٣٩ ص
١٤٠ ص
١٤١ ص
١٤٢ ص
١٤٣ ص
١٤٤ ص
١٤٥ ص
١٤٦ ص
١٤٧ ص
١٤٨ ص
١٤٩ ص
١٥٠ ص
١٥١ ص
١٥٢ ص
١٥٣ ص
١٥٤ ص
١٥٥ ص
١٥٦ ص
١٥٧ ص
١٥٨ ص
١٥٩ ص
١٦٠ ص
١٦١ ص
١٦٢ ص
١٦٣ ص
١٦٤ ص
١٦٥ ص
١٦٦ ص
١٦٧ ص
١٦٨ ص
١٦٩ ص
١٧٠ ص
١٧١ ص
١٧٢ ص
١٧٣ ص
١٧٤ ص
١٧٥ ص
١٧٦ ص
١٧٧ ص
١٧٨ ص
١٧٩ ص
١٨٠ ص
١٨١ ص
١٨٢ ص
١٨٣ ص
١٨٤ ص
١٨٥ ص
١٨٦ ص
١٨٧ ص
١٨٨ ص
١٨٩ ص
١٩٠ ص
١٩١ ص
١٩٢ ص
١٩٣ ص
١٩٤ ص
١٩٥ ص
١٩٦ ص
١٩٧ ص
١٩٨ ص
١٩٩ ص
٢٠٠ ص
٢٠١ ص
٢٠٢ ص
٢٠٣ ص
٢٠٤ ص
٢٠٥ ص
٢٠٦ ص
٢٠٧ ص
٢٠٨ ص
٢٠٩ ص
٢١٠ ص
٢١١ ص
٢١٢ ص
٢١٣ ص
٢١٤ ص
٢١٥ ص
٢١٦ ص
٢١٧ ص
٢١٨ ص
٢١٩ ص
٢٢٠ ص
٢٢١ ص
٢٢٢ ص
٢٢٣ ص
٢٢٤ ص
٢٢٥ ص
٢٢٦ ص
٢٢٧ ص
٢٢٨ ص
٢٢٩ ص
٢٣٠ ص
٢٣١ ص
٢٣٢ ص
٢٣٣ ص
٢٣٤ ص
٢٣٥ ص
٢٣٦ ص
٢٣٧ ص
٢٣٨ ص
٢٣٩ ص
٢٤٠ ص
٢٤١ ص
٢٤٢ ص
٢٤٣ ص
٢٤٤ ص
٢٤٥ ص
٢٤٦ ص
٢٤٧ ص
٢٤٨ ص
٢٤٩ ص
٢٥٠ ص
٢٥١ ص
٢٥٢ ص
٢٥٣ ص
٢٥٤ ص
٢٥٥ ص
٢٥٦ ص
٢٥٧ ص
٢٥٨ ص
٢٥٩ ص
٢٦٠ ص
٢٦١ ص
٢٦٢ ص
٢٦٣ ص
٢٦٤ ص
٢٦٥ ص
٢٦٦ ص
٢٦٧ ص
٢٦٨ ص
٢٦٩ ص
٢٧٠ ص
٢٧١ ص
٢٧٢ ص
٢٧٣ ص
٢٧٤ ص
٢٧٥ ص
٢٧٦ ص
٢٧٧ ص
٢٧٨ ص
٢٧٩ ص
٢٨٠ ص
٢٨١ ص
٢٨٢ ص
٢٨٣ ص
٢٨٤ ص
٢٨٥ ص
٢٨٦ ص
٢٨٧ ص
٢٨٨ ص
٢٨٩ ص
٢٩٠ ص
٢٩١ ص
٢٩٢ ص
٢٩٣ ص
٢٩٤ ص
٢٩٥ ص
٢٩٦ ص
٢٩٧ ص
٢٩٨ ص
٢٩٩ ص
٣٠٠ ص
٣٠١ ص
٣٠٢ ص
٣٠٣ ص
٣٠٤ ص
٣٠٥ ص
٣٠٦ ص
٣٠٧ ص
٣٠٨ ص
٣٠٩ ص
٣١٠ ص
٣١١ ص
٣١٢ ص
٣١٣ ص
٣١٤ ص
٣١٥ ص
٣١٦ ص
٣١٧ ص
٣١٨ ص
٣١٩ ص
٣٢٠ ص
٣٢١ ص
٣٢٢ ص
٣٢٣ ص
٣٢٤ ص
٣٢٥ ص
٣٢٦ ص
٣٢٧ ص
٣٢٨ ص
٣٢٩ ص
٣٣٠ ص
٣٣١ ص
٣٣٢ ص
٣٣٣ ص
٣٣٤ ص
٣٣٥ ص
٣٣٦ ص
٣٣٧ ص
٣٣٨ ص
٣٣٩ ص
٣٤٠ ص
٣٤١ ص
٣٤٢ ص
٣٤٣ ص
٣٤٤ ص
٣٤٥ ص
٣٤٦ ص
٣٤٧ ص
٣٤٨ ص
٣٤٩ ص
٣٥٠ ص
٣٥١ ص
٣٥٢ ص
٣٥٣ ص
٣٥٤ ص
٣٥٥ ص
٣٥٦ ص

گفتگوي تمدن ها - محمدی ری‌شهری، محمد - الصفحة ٢١٠

١٤٨.محمّد بن أبي مسهر عن أبيه عن جدّه : كَتَبَ المُفَضَّلُ بنُ عُمَرَ الجُعفِيُّ إلى أبي عَبدِاللّه ِ جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ الصّادِقِ عليهماالسلاميُعلِمُهُ أنَّ أقواما ظَهَروا مِن أهلِ هذِهِ المِلَّةِ يَجحَدونَ الرُّبوبِيَّةَ ، ويُجادِلونَ عَلى ذلِكَ ، ويَسأَلُهُ أن يَرُدَّ عَلَيهِم قَولَهُم ، ويَحتَجَّ عَلَيهِم فيمَا ادَّعَوا بِحَسَبِ مَا احتَجَّ بِهِ عَلى غَيرِهِم . فَكَتَبَ أبو عَبدِاللّه ِ عليه السلام : . . . فَكانَ مِن نِعَمِهِ العِظامِ وآلائِهِ الجِسامِ الَّتي أنعَمَ بِها تَقريرُهُ قُلوبَهُم بِرُبوبِيَّتِهِ ، وأخذُهُ مِيثاقَهُم بِمَعرِفَتِهِ ، وإنزالُهُ عَلَيهِم كِتابا فيهِ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدورِ مِن أمراضِ الخَواطِرِ ومُشتَبَهاتِ الاُمورِ ، ولَم يَدَع لَهُم ولا لِشَيءٍ مِن خَلقِهِ حاجَةً إلى مَن سِواهُ ، وَاستَغنى عَنهُم ، وكانَ اللّه ُ غَنِيّا حَميدا . ولَعَمري ما اُتِيَ الجُهّالُ مِن قِبَلِ رَبِّهِم وأنَّهُم لَيَرَونَ الدَّلالاتِ الواضِحاتِ وَالعَلاماتِ البَيِّناتِ في خَلقِهِم ، وما يُعايِنونَ مِن مَلَكوتِ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَالصُّنعِ العَجيبِ المُتقَنِ الدّالِّ عَلَى الصّانِعِ! ولكِنَّهُم قَومٌ فَتَحوا عَلى أنفُسِهِم أبوابَ المَعاصي ، وسَهَّلوا لَها سَبيلَ الشَّهواتِ ، فَغَلَبَتِ الأَهواءُ عَلى قُلوبِهِم ، وَاستَحوَذَ الشَّيطانُ بِظُلمِهِم عَلَيهِم ، وكَذلِكَ يَطبَعُ اللّه ُ عَلى قُلوبِ المُعتَدينَ . وَالعَجَبُ مِن مَخلوقٍ يَزعُمُ أنَّ اللّه َ يَخفى عَلى عِبادِهِ وهُوَ يَرى أثَرَ الصُّنعِ في نَفسِهِ بِتَركيبٍ يَبهَرُ عَقلَهُ ، وتَأليفٍ يُبطِلُ حُجَّتَهُ! ولَعَمري لَو تَفَكَّروا في هذِهِ الاُمورِ العِظامِ لَعايَنوا مِن أمرِ التَّركيبِ البَيِّنِ ، ولُطفِ التَّدبيرِ الظّاهِرِ ، ووُجودِ الأَشياءِ مَخلوقَةً بَعدَ أن لَم تَكُن ، ثُمَّ تَحَوُّلَها مِن طَبيعَةٍ إلى طَبيعَةٍ ، وصَنيعَةٍ بَعدَ صَنيعَةٍ ، ما يَدُلُّهم ذلِكَ عَلَى الصّانِعِ ، فَإِنَّهُ لا يَخلو شَيءٌ مِنها مِن أن يَكونَ فيهِ أثَرُ تَدبيرٍ وتَركيبٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ خالِقا مُدَبِّرا ، وتَأليفٍ بِتَدبيرٍ يَهدي إلى واحِدٍ حَكيمٍ . وقَد وافاني كِتابُكَ ، ورَسَمتُ لَكَ كِتابا كُنتُ نازَعتُ فيهِ بَعضَ أهلِ الأَديانِ مِن أهلِ الإِنكارِ ، وذلِكَ أنَّهُ كانَ يَحضُرُني طَبيبٌ مِن بِلادِ الهِندِ ، وكانَ لا يَزالُ يُنازِعُني في رَأيِهِ ، ويُجادِلُني عَلى ضَلالَتِهِ ، فَبَينا هُوَ يَوما يَدُقُّ إهليلَجَةً لِيَخلِطَها دَواءً اِحتَجتُ إلَيهِ مِن أدوِيَتِهِ ، إذ عَرَضَ لَهُ شَيءٌ مِن كَلامِهِ الَّذي لَم يَزَل يُنازِعُني فيهِ مِنِ ادِّعائِهِ أنَّ الدُّنيا لَم تَزَل ولا تَزالُ شَجرَةٌ تَنبُتُ ، واُخرى تَسقُطُ ، نَفسٌ تولَدُ ، واُخرى تَتلَفُ . وزَعَمَ أنَّ انتِحالِي المَعرِفَةَ للّه ِِ تَعالى دَعوًى لا بَيِّنَةَ لي عَلَيها ، ولا حُجَّةَ لي فيها ، وأنَّ ذلِكَ أمرٌ أخَذَهُ الآخِرُ عَنِ الأَوَّلِ ، والأَصغَرُ عَنِ الأَكبَرِ ، وأنَّ الأَشياءَ المُختَلِفَةَ وَالمُؤتَلِفَةَ وَالباطِنَةَ وَالظّاهِرَةَ إنَّما تُعرَفُ بِالحَواسِّ الخَمسِ : نَظَرِ العَينِ ؛ وسَمعِ الاُذُنِ ؛ وشَمِّ الأَنفِ ؛ وذَوقِ الفَمِّ ؛ ولَمسِ الجَوارِحِ . ثُمَّ قَادَ مَنطِقَهُ عَلَى الأَصلِ الَّذي وَضَعَهُ فَقالَ : لَم يَقَع شَيءٌ مِن حَواسّي عَلى خالِقٍ يُؤَدّي إلى قَلبي ، إنكارا للّه ِِ تَعالى . ثُمَّ قالَ : أخبِرني بِمَ تَحتَجُّ في مَعرِفَةِ رَبِّكَ الَّذي تَصِفُ قُدرَتَهُ ورُبوبِيَّتَهُ ، وإنَّما يَعرِفُ القَلبُ الأَشياءَ كُلَّها بِالدَّلالاتِ الخَمسِ الَّتي وَصَفتُ لَكَ ؟ قُلتُ : بِالعَقلِ الَّذي في قَلبي ، وَالدَّليلِ الَّذي أحتَجُّ بِهِ في مَعرِفَتِهِ . قالَ : فَأَنّى يَكونُ ما تَقولُ وأنتَ تَعرِفُ أنَّ القَلبَ لايَعرِفُ شَيئا بِغَيرِ الحَواسِّ الخَمسِ ؟ فَهَل عايَنتَ رَبَّكَ بِبَصَرٍ ، أو سَمِعتَ صَوتَهُ بِاُذُنٍ ، أو شَمَمتَهُ بِنَسيمٍ ، أو ذُقتَهُ بِفَمٍ ، أو مَسَستَهُ بِيَدٍ ، فَأَدّى ذلِكَ المَعرِفَةَ إلى قَلبِكَ ؟ قُلتُ : أرَأَيتَ إذ أنكَرتَ اللّه َ وجَحَدتَهُ ـ لِأَنَّكَ زَعَمتَ أنَّكَ لا تُحِسُّهُ بِحَواسِّكَ الَّتي تَعرِفُ بِهَا الأَشياءَ ـ وأقرَرتُ أنَا بِهِ هَل بُدٌّ مِن أن يَكون أحَدُنا صادِقا والآخَرُ كاذِبا ؟ قالَ : لا . قُلتُ : أرَأَيتَ إن كانَ القَولُ قَولَكَ فَهَل يُخافُ عَلَيَّ شَيءٌ مِمّا اُخَوِّفُكَ بِهِ مِن عِقابِ اللّه ِ ؟ قالَ : لا . قُلتُ : أفَرَأيتَ إن كانَ كَما أقولُ والحَقُّ في يَدي ألَستُ قَد أخَذتُ فيما كُنتُ اُحاذِرُ مِن عِقابِ الخالِقِ بِالثِّقَةِ وأنَّكَ قَد وَقَعتَ بِجُحودِكَ وإنكارِكَ فِي الهَلَكَةِ ؟ قالَ : بَلى . قُلتُ : فَأَيُّنا أولى بِالحَزمِ وأقرَبُ مِنَ النَّجاةِ ؟ قالَ : أنتَ ، إلاّ أنَّكَ مِن أمرِكَ عَلَى ادِّعاءٍ وشُبهَةٍ ، وأنا عَلى يَقينٍ وثِقَةٍ ، لِأَنّي لا أرى حَواسِّيَ الخَمسَ أدرَكَتهُ ، وما لَم تُدرِكهُ حَواسّي فَلَيسَ عِندي بِمَوجودٍ . قُلتُ : إنَّهُ لَمّا عَجَزَت حَواسُّكَ عَن إدراكِ اللّه ِ أنكَرتَهُ ، وأنَا لَمّا عَجَزَت حَواسّي عَن إدراكِ اللّه ِ تَعالى صَدَّقتُ بِهِ . قالَ : وكَيفَ ذلِكَ ؟ قُلتُ : لِأَنَّ كُلَّ شَيءٍ جَرى فيهِ أثَرُ تَركيبٍ لِجِسمٍ ، أو وَقَعَ عَل��يهِ بَصَرٌ لِلَونٍ ، فَما أدرَكَتهُ الأَبصارُ ونالَتهُ الحَواسُّ فَهُوَ غَيرُ اللّه ِ سُبحانَهُ ، لِأَ نَّهُ لايُشبِهُ الخَلقَ ، وأنَّ هذَا الخَلقَ يَنتَقِلُ بِتَغييرٍ وزَوالٍ ، وكُلُّ شَيءٍ أشبَهَ التَّغييرَ وَالزَّوالَ فَهُوَ مِثلُهُ ، ولَيسَ المَخلوقُ كَالخالِقِ ولاَ المُحدَثُ كَالمُحدِثِ . . . . قالَ : إنَّ هذا لَقَولٌ ، ولكِنّي لَمُنكِرٌ ما لَم تُدرِكهُ حَواسّي فَتُؤَدِّيَهُ إلى قَلبي ، فَلَمَّا اعتَصَمَ بِهذِهِ المَقالَةِ ولَزِمَ هذِهِ الحُجَّةَ قُلتُ : أمّا إذ أبيتَ إلاّ أن تَعتَصِمَ بِالجَهالَةِ ، وتَجعَل المُحاجَزَةَ حُجَّةً فَقَد دَخَلتَ في مِثلِ ما عِبتَ وَامتَثَلتَ ما كَرِهتَ ، حَيثُ قُلتَ : إنِّي اختَرتُ الدَّعوى لِنَفسي ، لِأَنَّ كُلَّ شَيءٍ لَم تُدرِكهُ حَواسّي عِندي بِلا شَيءٍ . قالَ : وكَيفَ ذلِكَ ؟ قُلتُ : لِأَنَّكَ نَقَمتَ عَلَى الاِدِّعاءِ ودَخَلتَ فيهِ فَادَّعَيتَ أمرا لَم تُحِط بِهِ خُبرا ولَم تَقُلهُ عِلما ، فَكَيفَ استَجَزتَ لِنَفسِكَ الدَّعوى في إنكارِكَ اللّه َ ، ودَفعِكَ أعلامَ النُّبُوَّةِ وَالحُجَّةَ الواضِحَةَ وعِبتَها عَلَيَّ ؟ أخبِرني هَل أحَطتَ بِالجِهاتِ كُلِّها وبَلَغتَ مُنتَهاها ؟ قالَ : لا . قُلتُ : فَهَل رَقيتَ إلَى السَّماءِ الَّتي تَرى ؟ أوِ انحَدَرتَ إلَى الأَرضِ السُّفلى فَجُلتَ في أقطارِها ؟ أو هَل خُضتَ في غَمَراتِ البُحورِ وَاختَرَقتَ نَواحِيَ الهَواءِ فيما فَوقَ السَّماءِ وتَحتَها إلَى الأَرضِ وما أسفَلَ مِنها فَوَجَدتَ ذلِكَ خَلاءً مِن مُدَبِّرٍ حَكيمٍ عالمٍ بَصيرٍ ؟ قالَ : لا . قُلتُ : فَما يَدريكَ ، لَعَلَّ الَّذي أنكَرَهُ قَلبُكَ هُوَ في بَعضِ ما لَم تُدرِكهُ حَواسُّكَ ولَم يُحِط بِهِ عِلمُكَ ؟ قالَ : لا أدري لَعَلَّ في بَعضِ ما ذَكَرتَ مُدَبِّرا! وما أدري لَعَلَّهُ لَيسَ في شَيءٍ مِن ذلِكَ شَيءٌ ! قُلتُ : أما إذ خَرَجتَ مِن حَدِّ الإِنكارِ إلى مَنزِلَةِ الشَّكِّ ، فَإِنّي أرجو أن تَخرُجَ إلَى المَعرِفَةِ . قالَ : فَإِنّما دَخَلَ عَلَيَّ الشَّكُّ لِسُؤالِكَ إيّايَ عَمّا لَم يُحِط بِهِ عِلمي ، ولكِن مِن أينَ يَدخُلُ عَلَيَّ اليَقينُ بِما لَم تُدرِكهُ حَواسّي ؟ قُلتُ : مِن قِبَلِ إهليلَجَتِكَ هذِهِ . قالَ : ذاكَ إذا أثبَتُ لِلحُجَّةِ ؛ لِأَ نَّها مِن آدابِ الطِّبِّ الَّذي اُذعِنُ بِمَعرِفَتِهِ . قُلتُ : إنَّما أرَدتُ أن آتِيَكَ بِهِ مِن قِبَلِها لِأَ نَّها أقرَبُ الأَشياءِ إلَيكَ ، ولَو كانَ شَيءٌ أقرَبَ إلَيكَ مِنها لَأَتَيتُكَ مِن قِبَلِهِ ؛ لِأَنَّ في كُلِّ شَيءٍ أثَرَ تَركيبٍ وحِكمَةً ، وشاهِدا يَدُلُّ عَلَى الصَّنعَةِ الدّالَّةِ عَلى مَن صَنَعَها ولَم تَكُن شَيئا ، ويُهلِكُها حَتّى لا تَكونَ شَيئا . قُلتُ : فَأَخبِرني هَل تَرى هذِهِ إهليلَجَةً ؟ قالَ : نَعَم . قُلتُ : أفَتَرى غَيبَ ما في جَوفِها ؟ قالَ : لا . قُلتُ : أفَتَشهَدُ أنَّها مُشتَمِلَةٌ عَلى نَواةٍ ولا تَراها ؟ قالَ : ما يُدريني لَعَلَّ لَيسَ فيها شَيءٌ ! قُلتُ : أفَتَرى أنَّ خَلفَ هذَا القِشرِ مِن هذِهِ الإِهليلَجَةِ غائِبٌ لَم تَرَهُ مِن لَحمٍ أو ذي لَونٍ ؟ قالَ : ما أدري ، لَعَلَّ ما ثَمَّ غَيرُ ذي لَونٍ ولا لَحمٍ ؟ . . . . قُلتُ : أفَتَقِرُّ أنَّ الإِهليلَجَةَ في أرضٍ تَنبُتُ ؟ قالَ : تِلكَ الأَرضُ وهذِهِ واحِدَةٌ وقَد رَأَيتُها . قُلتُ : أفَما تَشهَدُ بِحُضورِ هذِهِ الإِهليلَجَةِ عَلى وُجودِ ما غابَ مِن أشباهِها ؟ قالَ : ما أدري ، لَعَلَّهُ لَيسَ فِي الدُّنيا إهليلَجَةٌ غَيرُها . فَلَمَّا اعتَصَمَ بِالجَهالَةِ قُلتُ : أخبِرني عَن هذِهِ الإِهليلَجَةِ أتُقِرُّ أنَّها خَرَجَت مِن شَجَرَةٍ ؟ أو تَقولُ : إنَّها هكَذا وُجِدَت ؟ قالَ : لا بَل مِن شَجَرَةٍ خَرَجَت . قُلتُ : فَهَل أدرَكَت حَواسُّكَ الخَمسُ ما غابَ عَنكَ مِن تِلكَ الشَّجَرَةِ ؟ قالَ : لا . قُلتُ : فَما أراكَ إلاّ قَد أقرَرتَ بِوُجودِ شَجَرَةٍ لَم تُدرِكها حَواسُّكَ ؟ قالَ : أجَل ولكِنّي أقولُ : إنَّ الإِهليلَجَةَ وَالأَشياءَ المُختَلِفَةَ شَيءٌ لَم تَزَل تُدرِكُ ، فَهَل عِندَكَ في هذا شَيءٌ تَرُدُّ بِهِ قَولي ؟ قُلتُ : نَعَم . أخبِرني عَن هذِهِ الإهليلَجَةِ هَل كُنتَ عايَنتَ شَجَرَتَها وعَرَفتَها قَبلَ أن تَكونَ هذِهِ الإِهليلَجَةُ فيها ؟ قالَ : نَعَم . قُلتُ : فَهَل كُنتُ تُعايِنُ هذِهِ الإِهليلَجَةَ ؟ قالَ : لا . قُلتُ : أفَما تَعلَمُ أنَّكَ كُنتَ عايَنتَ الشَّجَرَةَ ولَيسَ فيهَا الإِهليلَجَةُ ثُمَّ عُدتَ إلَيها فَوَجَدتَ فيهَا الإِهليلَجَةَ ، أفَما تَعلَمُ أنَّهُ قَد حَدَثَ فيها ما لَم تَكُن ؟ قالَ : ما أستَطيعُ أن اُنكِرَ ذلِكَ ولكِنّي أقولُ : إنَّها كانَت فيها مُتَفَرِّقَةٌ . قُلتُ : فَأَخبِرني هَل رَأَيتَ تِلكَ الإِهليلَجَةَ الَّتي تَنبُتُ مِنها شَجَرَةُ هذِهِ الإِهليلَجَةِ قَبلَ أن تُغرَسَ ؟ قالَ : نَعَم . قُلتُ : فَهَل يَحتَمِلُ عَقلُكَ أنَّ الشَّجَرَةَ الَّتي تَبلُغُ أصلُها وعُروقُها وفُروعُها ولِحاؤُها وكُلُّ ثَمَرَةٍ جُنِيَت ، ووَرَقَةٍ سُقِطَت ألفَ ألفِ رَطلٍ كانَت كامِنَةً في هذِهِ الإِهليلَجَةِ ؟ قالَ : ما يَحتَمِلُ هذَا العَقلُ ولا يَقبَلُهُ القَلبُ . قُلتُ : أقرَرتَ أنَّها حَدَثَت فِي الشَّجَرَةِ ؟ قالَ : نَعَم ، ولكِنّي لا أعرِفُ أنَّها مَصنوعَةٌ ، فَهَل تَقدِرُ أن تُقَرِّرَني بِذلِكَ ؟ قُلتُ : نَعَم . أرَأَيتَ أنّي إن أرَيتُكَ تَدبيرا أتُقِرُّ أنَّ لَهُ مُدَبِّرا ، وتَصويرا أنَّ لَهُ مُصَوِّرا ؟ قالَ : لابُدَّ مِن ذلِكَ . قُلتُ : ألَستَ تَعلَمُ أنَّ هذِهِ الإِهليلَجَةَ لَحمٌ رُكِّبَ عَلى عَظمٍ فَوُضِعَ في جَوفٍ مُتَّصِلٍ بِغُصنٍ مُرَكَّبٍ عَلى ساقٍ يَقومُ عَلى أصلٍ فَيَقوى بِعُروقٍ مِن تَحتِها عَلى جِرمٍ مُتَّصِلٍ بَعضٍ بِبَعضٍ ؟ قالَ : بَلى . قُلتُ : ألَستَ تَعلَمُ أنَّ هذِهِ الإِهليلَجَةَ مُصَوَّرَةٌ بِتَقديرٍ وتَخطيطٍ ، وتَأليفٍ وتَركيبٍ وتَفصيلٍ مُتَداخِلٍ بِتَأليفِ شَيءٍ في بَعضِ شَيءٍ ، بِهِ طَبَقٌ بَعدَ طَبَقٍ وجِسمٌ عَلى جِسمٍ ولَونٌ مَعَ لَونٍ ، أبيَضُ في صُفرَةٍ ، ولينٌ عَلى شَديدٍ ، في طَبائِعَ مُتَفَرِّقَةٍ ، وطَرائِقَ مُختَلِفَةٍ ، وأجزاءٍ مُؤتَلِفَةٍ مَعَ لِحاءٍ تَسقيها ، وعُروقٍ يَجري فيهَا الماءُ ، ووَرَقٍ يَستُرُها وتَقيها مِنَ الشَّمسِ أن تُحرِقَها ، ومِنَ البَردِ أن يُهلِكَها ، وَالرّيحِ أن تُذبِلَها ؟ قالَ : أفَلَيسَ لَو كانَ الوَرَقُ مُطبَقا عَلَيها كانَ خَيرا لَها ؟ قُلتُ : اللّه ُ أحسَنُ تَقديرا لَو كانَ كَما تَقولُ لَم يَصِل إلَيها ريحٌ يُرَوِّحُها ، ولا بَردٌ يُشَدِّدُها ، ولَعَفِنَت عِندَ ذلِكَ ، ولَو لَم يَصِل إلَيها حَرُّ الشَّمسِ لَما نَضَجَت ، ولكِن شَمسٌ مَرَّةً وريحٌ مَرَّةً وبَردٌ مَرَّةً ، قَدَّرَ اللّه ُ ذلِكَ بِقُوَّةٍ لَطيفَةٍ ، ودَبَّرَهُ بِحِكمَةٍ بالِغَةٍ . قالَ : حَسبي مِنَ التَّصويرِ! فَسِّر لِيَ التَّدبيرَ الَّذي زَعَمتَ أنَّكَ تَرَيَنَّهُ . قُلتُ : أرَأَيتَ الإِهليلَجَةَ قَبلَ أن تُعقَدَ إذ هِيَ في قَمعِها ماءٌ بِغَيرِ نَواةٍ ولا لَحمٍ ولا قِشرٍ ولا لَونٍ ولا طَعمٍ ولا شِدَّةٍ ؟ قالَ : نَعَم . قُلتُ : أرَأَيتَ لَو لَم يَرفَقِ الخالِقُ ذلِكَ الماءَ الضَّعيفَ الَّذي هُوَ مِثلُ الخَردَلَةِ فِي القِلَّةِ وَالذِّلَّةِ ولَم يُقَوِّهِ بِقُوَّتِهِ ويُصَوِّرهُ بِحِكمَتِهِ ويُقَدِّرهُ بِقُدرَتِهِ ، هَل كانَ ذلِكَ الماءُ يَزيدُ عَلى أن يَكونَ في قَمعِهِ غَيرَ مَجموعٍ بِجِسمٍ وقَمعٍ وتَفصيلٍ ؟ فَإِن زادَ زادَ ، ماءً مُتَراكِبا غَيرَ مُصَوَّرٍ ، ولا مُخَطَّطٍ ولا مُدَبَّرٍ بِزِيادَةِ أجزاءٍ ، ولا تَأليفِ أطباقٍ . قالَ : قَد أرَيتَني مِن تَصويرِ شَجَرَتِها ، وتَأليفِ خِلقَتِها ، وحَملِ ثَمَرَتِها ، وزِيادَةِ أجزائِها ، وتَفصيلِ تَركيبِها أوضَحَ الدَّلالاتِ ، وأظهَرَ البَيِّنَةِ عَلى مَعرِفَةِ الصّانِعِ ، ولَقَد صَدَّقتُ بِأَنَّ الأَشياءَ مَصنوعَةٌ ، ولكِنّي لا أدري لَعَلَّ الإِهليلَجَةَ وَالأَشياءَ صَنَعَت أنفُسَها ؟ قُلتُ : أوَ لَستَ تَعلَمُ أنَّ خالِقَ الأَشياءِ وَالإِهليلَجَةِ حَكيمٌ عالِمٌ بِما عايَنتَ مِن قُوَّةِ تَدبيرِهِ ؟ قالَ : بَلى . قُلتُ : فَهَل يَنبَغي لِلَّذي هُوَ كَذلِكَ أن يَكونَ حَدَثا ؟ قالَ : لا . قُلتُ : أفَلَستَ قَد رَأَيتَ الإِهليلَجَةَ حينَ حَدَثَت وعايَنتَها بَعدَ أن لَم تَكُن شَيئا ، ثُمَّ هَلَكَت كَأَن لَم تَكُن شَيئا ؟ قالَ : بَلى ، وإنَّما أعطَيتُكَ أنَّ الإِهليلَجَةَ حَدَثَت ولَم اُعطِكَ أنَّ الصّانِعَ لا يَكونُ حادِثا لا يَخلُقُ نَفسَهُ . قُلتُ : أَلَم تُعطِني أنَّ الحَكيمَ الخالِقَ لا يكَونُ حَدَثا ، وزَعَمتَ أنَّ الإِهليلَجَةَ حَدَثَت ؟ فَقَد أعطَيتَني أنَّ الإِهليلَجَةَ مَصنوعَةٌ ، فَهُوَ عَزَّوجَلَّ صانِعُ الإِهليلَجَةِ ، وإن رَجَعتَ إلى أن تَقولَ : إنَّ الإِهليلَجَةَ صَنَعَت نَفسَها ودَبَّرَت خَلقَها فَما زِدتَ أن أقرَرتَ بِما أنكَرتَ ، ووَصَفتَ صانِعا مُدَبِّرا أصَبتَ صِفَتَهُ ، ولكِنَّكَ لَم تَعرِفهُ فَسَمَّيتَهُ بِغَيرِ اسمِهِ . قالَ : كَيفَ ذلِكَ ؟ قُلتُ : لِأَنَّكَ أقرَرتَ بِوُجودٍ حَكيمٍ لَطيفٍ مُدَبِّرٍ ، فَلَمّا سَأَلتُكَ «مَن هُوَ ؟» قُلتَ : «الإِهليلَجَةُ» . قَد أقرَرتَ بِاللّه ِ سُبحانَهُ ، ولكِنَّكَ سَمَّيتَهُ بِغَيرِ اسمِهِ ، ولَو عَقَلتَ وفَكَّرتَ لَعَلِمتَ أنَّ الإِهليلَجَةَ أنقَصُ قُوَّةً مِن أن تَخلُقَ نَفسَها ، وأضعَفُ حيلَةً مِن أن تُدَبِّرَ خَلقَها . قالَ : هَل عِندَكَ غَيرُ هذا ؟ قُلتُ : نَعَم . أخبِرني عَن هذِهِ الإِهليلَجَةِ الَّتي زَعَمتَ أنَّها صَنَعَت نَفسَها ودَبَّرَت أمرَها كَيفَ صَنَعَت نَفسَها صَغيرَةَ الخِلقَةِ ، صَغيرَةَ القُدرَةِ ، ناقِصَةَ القُوَّةِ ، لا تَمتَنِعُ أن تُكسَرَ وتُعصَرَ وتُؤكَلَ ؟ وكَيفَ صَنَعَت نَفسَها مَفضولَةً مَأكولَةً مُرَّةً قَبيحَةَ المَنظَرِ لا بَهاءَ لَها ولا ماءَ ؟ قالَ : لِأَ نَّها لَم تَقوَ إلاّ عَلى ما صَنَعَت نَفسَها أو لَم تَصنَع إلاّ ما هَوِيَت . قُلتُ : أما إذ أبَيتَ إلاَّ التَّمادِيَ فِي الباطِلِ فَأَعلِمني مَتى خَلَقَت نَفسَها ودَبَّرَت خَلقَها قَبلَ أن تَكونَ أو بَعدَ أن كانَت ؟ فَإِن زَعَمتَ أنَّ الإِهليلَجَةَ خَلَقَت نَفسَها بَعدَ ما كانَت فَإِنَّ هذا لَمِن أبيَنِ المُحالَ! كَيفَ تَكونُ مَوجودَةً مَصنوعَةً ، ثُمَّ تَصنَعُ نَفسَها مَرَّةً اُخرى ؟ فَيَصيرُ كَلامُكَ إلى أنَّها مُصنوعَةً مَرَّتَينِ ؟ ولَئِن قُلتَ «إنَّها خَلَقَت نَفسَها ودَبَّرَت خَلقَها قَبلَ أن تَكونَ» ، إنَّ هذا مِن أوضَحِ الباطِلِ وأبيَنِ الكَذِبِ ؛ لِأَ نَّها قَبلَ أن تَكونَ لَيسَ بِشَيءٍ ، فَكَيفَ يَخلُقُ لا شَيءٌ شَيئا ؟ وكَيفَ تَعيبُ قَولي : إنَّ شَيئا يَصنَعُ لا شَيئا ولا تَعيبُ قَولَكَ : إنَّ لا شَيءَ يَصنَعُ لا شَيئا ؟ فَانظُر أيَّ القَولَينِ أولى بِالحَقِّ ؟ قالَ : قَولُكَ . قُلتُ : فَما يَمنَعُكَ مِنهُ ؟ قالَ : قَد قَبِلتُهُ وَاستَبانَ لي حَقُّهُ وصِدقُهُ بِأَنَّ الأَشياءَ المُختَلِفَةَ وَالإِهليلَجَةَ لَم يَصنَعنَ أنفُسَهُنَّ ، ولَم يُدَبِّرنَ خَلقَهُنَّ . ولكِنَّهُ تَعَرَّضَ لي أنَّ الشَّجَرَةَ هِيَ الَّتي صَنَعَتِ الإِهليلَجَةَ ؛ لِأَ نَّها خَرَجَت مِنها . قُلتُ : فَمَن صَنَعَ الشَّجَرَةَ ؟ قالَ : الإِهليلَجَةُ الاُخرى . قُلتُ : اِجعَل لِكَلامِكَ غايَةً أنتهي إلَيها . فَإِمّا أن تَقولَ : «هُوَ اللّه ُ سُبحانَهُ» فَيُقبَلُ مِنكَ ، وإمّا أن تَقولَ : «الإِهليلَجَةُ» فَنسأَ لَكَ . قالَ : سَل . قُلتُ : أخبِرني عَنِ الإِهليلَجَةِ ، هَل تَنبُتُ مِنهَا الشَّجَرَةُ إلاّ بَعدَما ماتَتَ وبَلِيَت وبادَت ؟ قالَ : لا . قُلتُ : إنَّ الشَّجَرَةَ بَقِيَت بَعدَ هَلاكِ الإِهليلَجَةِ مِائَةَ سَنَةٍ ، فَمَن كانَ يَحميها ويَزيدُ فيها ، ويُدَبِّرُ خَلقَها ويُرَبِّيها ، ويُنبِتُ وَرَقَها ؟ ما لَكَ بُدٌّ مِن أن تَقولَ : «هُوَ الَّذي خَلَقَها» ، ولَئِن قُلتَ : «الإِهليلَجَةُ ـ وهِيَ حَيَّةٌ قَبلَ أن تَهلِكَ وتَبلى وتَصيرَ تُرابا ، وقَد رَبَّتِ الشَّجَرَةَ وهِيَ ميتةٌ ـ» ، إنَّ هذَا القَولَ مُختَلِفٌ . قالَ : لا أقولُ ذلِكَ . قُلتُ : أفَتُقِرُّ بِأَنَّ اللّه َ خَلَقَ الخَلقَ أم قَد بَقِيَ في نَفسِكَ شَيءٌ مِن ذلِكَ ؟ قالَ : إنّي مِن ذلِكَ عَلى حَدِّ وُقوفٍ ، ما أتَخَلَّصُ إلى أمرٍ يَنفُذُ لي فيهِ الأَمرُ . قُلتُ : أمّا إذ أبَيتَ إلاَّ الجَهالَةَ ، وزَعَمتَ أنَّ الأَشياءَ لا يُدرَكُ إلاّ بِالحَواسِّ ، فَإِنّي اُخبِرُكَ أنَّهُ لَيسَ لِلحَواسِّ دَلالَةٌ عَلَى الأَشياءِ ولا فيها مَعرِفَةٌ إلاّ بِالقَلبِ ؛ فَإِنَّهُ دَليلُها ومُعَرِّفُهَا الأَشياءَ الَّتي تَدَّعي أنَّ القَلبَ لا يَعرِفُها إلاّ بِها . فَقالَ : أمّا إذ نَطَقتَ بِهذا فَما أقبَلُ مِنكَ إلاّ بِالتَّخليصِ وَالتَّفَحُّصِ مِنهُ بِإِيضاحٍ وبَيانٍ وحُجَّةٍ وبُرهانٍ . قُلتُ : فَأَوَّلُ ما أبدَأُ بِهِ أنَّكَ تَعلَمُ أنَّهُ رُبَّما ذَهَبَ الحَواسُّ أو بَعضُها ، ودَبَّرَ القَلبُ الأَشياءَ الَّتي فيهَا المَضَرَّةُ وَالمَنفَعَةُ مِنَ الاُمورِ العَلانِيَةِ وَالخَفِيَّةِ فَأَمَرَ بِها ونَهى ، فَنَفَذَ فيها أمرُهُ وصَحَّ فيها قَضاؤُهُ . قالَ : إنَّكَ تَقولُ في هذا قَولاً يُشبِهُ الحُجَّةَ ، ولكِنّي اُحِبُّ أن توضِحَهُ لي غَيرَ هذَا الإِيضاحِ . قُلتُ : ألَستَ تَعلَمُ أنَّ القَلبَ يَبقى بَعدَ ذَهابِ الحَواسِّ ؟ قالَ : نَعَم ، ولكِن يَبقى بِغَيرِ دَليلٍ عَلَى الأَشياءِ الَّتي تَدُلُّ عَلَيهَا الحَواسُّ . قُلتُ : أفَلَستَ تَعلَمُ أنَّ الطِّفلَ تَضَعُهُ اُمُّهُ مُضغَةً لَيسَ تَدُلُّهُ الحَواسُّ عَلى شَيءٍ يُسمَعُ ولا يُبصَرُ ولا يُذاقُ ولا يُلمَسُ ولا يُشَمُّ ؟ قالَ : بَلى . قُلتُ : فَأَيَّةُ الحَواسِّ دَلَّتهُ عَلى طَلَبِ اللَّبَنِ إذا جاعَ ؟ وَالضِّحكِ بَعدَ البُكاءِ إذا رَوى مِنَ اللَّبَنِ ؟ وأيُّ حَواسِّ سِباعِ الطَّيرِ ولاقِطِ الحَبِّ مِنها دَلَّها عَلى أن تُلقِيَ بَينَ أفراخِهَا اللَّحمَ وَالحَبَّ فَتَهوِيَ سِباعُها إلَى اللَّحمِ ، وَالآخَرونَ إلَى الحَبِّ ؟ وأخبِرني عَن فِراخِ طَيرِ الماءِ ألَستَ تَعلَمُ أنَّ فِراخَ طَيرِ الماءِ إذا طُرِحَت فيهِ سُبِحَت ، وإذا طُرِحَت فيهِ فِراخُ طَيرِ البَرِّ غَرَقَت وَالحَواسُّ واحِدَةٌ ؟ فَكَيفَ انتَفَعَ بِالحَواسِّ طَيرُ الماءِ وأعانَتهُ عَلَى السِّباحَةِ ولَم تَنتَفِع طَيرُ البَرِّ فِي الماءِ بِحَواسِّها ؟ . . . أم أخبِرني ما بالُ الذَّرَّةِ الَّتي لا تُعايِنُ الماءَ قَطُّ تُطرَحُ فِي الماءِ فَتَسبَحُ ، وتُلقَى الإِنسانُ ابنُ خَمسينَ سَنَةً مِن أقوَى الرِّجالِ وأعقَلِهِم لَم يَتَعَلَّمِ السِّباحَةَ فَيَغرَقُ ؟ كَيفَ لَم يَدُلَّهُ عَقلُهُ ولُبُّهُ وتَجارِبُهُ وبَصَرُهُ بِالأَشياءِ مَعَ اجتِماعِ حَواسِّهِ ، وصِحَّتِها أن يُدرِكَ ذلِكَ بِحَواسِّهِ كَما أدرَكَتهُ الذَّرَّةُ إن كانَ ذلِكَ إنَّما يُدرِكُ بِالحَواسِّ ؟ أفَلَيسَ يَنبَغي لَكَ أن تَعلَمَ أنَّ القَلبَ الَّذي هُوَ مَعدِنُ العَقلِ فِي الصَّبِيِّ الَّذي وَصَفتُ وغَيرِهِ مِمّا سَمِعتَ مِنَ الحَيَوانِ هُوَ الَّذي يُهَيِّجُ الصَّبِيَّ إلى طَلَبِ الرِّضاعِ ، وَالطَّيرَ اللاّقِطَ عَلى لَقطِ الحَبِّ ، وَالسِّباعَ عَلى ابتِلاعِ اللَّحمِ ؟ قالَ : لَستُ أجِدُ القَلبَ يَعلَمُ شَيئا إلاّ بِالحَواسِّ . . . [قلت :] فَهَل رَأَيتَ فِي المَنامِ أنَّكَ تَأكُلُ وتَشرَبُ حَتّى وَصَلَت لَذَّةُ ذلِكَ إلى قَلبِكَ ؟ قالَ : نَعَم . قُلتُ : فَهَل رَأَيتَ أنَّكَ تَضحَكُ وتَبكي وتَجولُ فِي البُلدانِ الَّتي لَم تَرَها والَّتي قَد رَأَيتَها حَتّى تَعلَمَ مَعالِمَ ما رَأَيتَ مِنها ؟ قالَ : نعم ، ما لا اُحصي . قُلتُ : هَل رَأَيتَ أحَدا مِن أقارِبِكَ مِن أخٍ أو أبٍ أو ذي رَحِمٍ قَد ماتَ قَبلَ ذلِكَ حَتّى تَعلَمَهُ وتَعرِفَهُ كَمَعرِفَتِكَ إيّاهُ قَبلَ أن يَموتَ ؟ قالَ : أكثَرُ مِنَ الكَثيرِ . قُلتُ : فَأَخبِرني أيُّ حَواسِّكَ أدرَكَ هذِهِ الأَشياءَ في مَنامِكَ حَتّى دَلَّت قَلبَكَ عَلى مُعايَنَةِ المَوتى وكَلامِهِم ، وأكلِ طَعامِهِم ، وَالجَوَلانِ فِي البُلدانِ ، وَالضِّحكِ وَالبُكاءِ وغَيرِ ذلِكَ ؟ قالَ : ما أقدِرُ أن أقولَ لَكَ أيُّ حَواسّي أدرَكَ ذلِكَ أو شَيئا مِنهُ ، وكَيفَ تُدرِكُ وهِيَ بِمَنزِلَةِ المَيِّتِ لا تَسمَعُ ولا تُبصِرُ ؟ قُلتُ : فَأَخبِرني حَيثُ استَيقَظتَ ألَستَ قَد ذَكَرتَ الَّذي رَأَيتَ في مَنامِكَ تَحفِظُهُ وتَقُصُّهُ بَعدَ يَقظَتِكَ عَلى إخوانِكَ لا تَنسى مِنهُ حَرفا ؟ قالَ : إنَّهُ كَما تَقولُ ورُبَّما رَأَيتُ الشَّيءَ في مَنامي ، ثُمَّ لا اُمسي حَتّى أراهُ في يَقظَتي كَما رَأَيتُهُ في مَنامي . قُلتُ : فَأَخبِرني أيُّ حَواسِّكَ قَرَّرَت عِلمَ ذلِكَ في قَلبِكَ ، حَتّى ذَكَّرتَهُ بَعدَ مَا استَيقَظتَ ؟ قالَ : إنَّ هذَا الأَمرَ ما دَخَلَت فيهِ الحَواسُّ . قُلتُ : أفَلَيسَ يَنبَغي لَكَ أن تَعلَمَ حَيثُ بَطَلَتِ الحَواسُّ في هذا أنَّ الَّذي عايَنَ تِلكَ الأَشياءَ وحَفِظَها في مَنامِكَ ـ قَلبُكَ الَّذي جَعَلَ اللّه ُ فيهِ العَقلَ الَّذِي احتَجَّ بِهِ عَلَى العِبادِ ؟ قالَ : إنَّ الَّذي رَأَيتُ في مَنامي لَيسَ بِشَيءٍ ، إنَّما هُوَ بِمَنزِلَةِ السَّرابِ الَّذي يُعايِنُهُ صاحِبُهُ ويَنظُرُ إلَيهِ ، لا يَشُكُّ فيهِ أنَّهُ ماءٌ ؛ فَإِذَا انتَهى إلى مَكانِهِ لَم يَجِدهُ شَيئا ؛ فَما رَأَيتُ في مَنامي فَبِهذِهِ المَنزِلَةِ . قُلتُ : كَيفَ شَبَّهتَ السَّرابَ بِما رَأَيتَ في مَنامِكَ مِن أكلِكَ الطَّعامَ الحُلوَ وَالحامِضَ ، وما رَأَيتَ مِنَ الفَرَحِ وَالحُزنِ ؟ قالَ : لِأَنَّ السَّرابَ حَيثُ انتَهَيتُ إلى مَوضِعِهِ صارَ لا شَيءَ ، وكَذلِكَ صارَ ما رَأَيتُ في مَنامي حينَ انتَبَهتُ . قُلتُ : فَأَخبِرني إن أتَيتُكَ بِأَمرٍ وَجَدتَ لَذَّتَهُ في مَنامِكَ ، وخَفَقَ لِذلِكَ قَلبُكَ ألَستَ تَعلَمُ أنَّ الأَمرَ عَلى ما وَصَفتُ لَكَ ؟ قالَ : بَلى . قُلتُ : فَأَخبِرني هَلِ احتَلَمتَ قَطُّ حَتّى قَضَيتَ فِي امرَأَةٍ نَهمَتَكَ عَرَفتَها أم لَم تَعرِفها ؟ قالَ : بَلى مالا اُحصيهِ . قُلتُ : ألَستَ وَجَدتَ لِذلِكَ لَذَّةً عَلى قَدرِ لَذَّتِكَ في يَقظَتِكَ فَتَنتَبِهُ وقَد أنزَلتَ الشَّهوَةَ حَتّى تَخرُجَ مِنكَ بِقَدرِ ما تَخرُجُ مِنكَ فِي اليَقظَةِ ، هذا كَسرٌ لِحُجَّتِكَ فِي السَّرابِ . قالَ : ما يَرَى المُحتَلِمُ في مَنامِهِ شَيئا إلاّ ما كانَت حَواسُّهُ دَلَّتَ عَلَيهِ فِي اليَقظَةِ . قُلتُ : ما زِدتَ عَلى أن قَوَّيتَ مَقالتي ، وزَعَمتَ أنَّ القَلبَ يَعقِلُ الأَشياءَ ويَعرِفُها بَعدَ ذَهابِ الحَواسِّ ومَوتِها فَكَيفَ أنكَرتَ أنَّ القَلبَ يَعرِفُ الأَشياءَ وهُوَ يَقظانُ مُجتَمِعَةٌ لَهُ حَواسُّهُ . . . قالَ : لَقَد كُنتُ أظُنُّكَ لا تَتَخَلَّصُ مِن هذِهِ المَسأَلَةِ وقَد جِئتَ بِشَيءٍ لا أقدِرُ عَلى رَدِّهِ! قُلتُ : وأنا اُعطيكَ تَصاديقَ ما أنبَأتُكَ بِهِ وما رَأَيتَ في مَنامِكَ في مَجلِسِكَ السّاعَةَ . قالَ : اِفعَل فَإِنّي قَد تَحَيَّرتُ في هذِهِ المَسأَلَةِ . قُلتُ : أخبِرني هَل تُحَدِّثُ نَفسَكَ مِن تِجارَةٍ أو صَناعَةٍ أو بِناءٍ أو تَقديرِ شَيءٍ وتَأمُرُ بِهِ إذا أحكَمتَ تَقديرَهُ في ظَنِّكَ ؟ قالَ : نَعَم . قُلتُ : فَهَل أشرَكتَ قَلبَكَ في ذلِكَ الفِكرِ شَيئا مِن حَواسِّكَ ؟ قالَ : لا . قُلتُ : أفَلا تَعلَمُ أنَّ الَّذي أخبَرَكَ بِهِ قَلبُكَ حَقٌّ ؟ قالَ : اليَقينُ هُوَ . [١]


[١] بحارالأنوار : ٣/١٥٢ نقلاً عن الإهليلجة في التوحيد للمفضّل بن عمر .