گفتگوي تمدن ها - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢٤٤
١٤٩.الاحتجاج : ومِن سُؤالِ الزِّنديقِ [١] الَّذي سَأَلَ أبا عَبدِاللّه ِ عليه السلام عَن مَسائِلَ كَثيرَةٍ أن قالَ : كَيفَ يَعبُدُ اللّه َ الخَلقُ ولَم يَرَوهُ ؟ قالَ : رَأَتهُ القُلوبُ بِنورِ الإِيمانِ ، وأثبَتَتهُ العُقولُ بِيَقظَتِها إثباتَ العَيانِ ، وأبصَرَتهُ الأَبصارُ بِما رَأَتهُ مِن حُسنِ التَّركيبِ وإحكامِ التَّأليفِ ، ثُمَّ الرُّسُلُ وآياتُها وَالكُتُبُ ومُحكَماتُها ، وَاقتَصَرَتِ العُلَماءُ عَلى ما رَأَت مِن عَظَمَتِهِ دونَ رُؤيَتِهِ . قالَ : ألَيسَ هُوَ قادِرٌ أن يَظهَرَ لَهُم حَتّى يَرَوهُ فَيَعرِفوهُ ، فَيُعبَدَ عَلى يَقينٍ ؟ قالَ : لَيسَ لِلمُحالِ جَوابٌ . قالَ : فَمِن أينَ أثبَتَّ أنبِياءَ ورُسَلاً ؟ قالَ عليه السلام : إنَّا لَمّا أثبَتنا أنَّ لَنا خالِقا صانِعا مُتَعالِيا عَنّا وعَن جَميعِ ما خَلَقَ ، وكانَ ذلِكَ الصّانِعُ حَكيما ، لَم يَجُز أن يُشاهِدَهُ خَلقُهُ ، و لا أن يُلامِسوهُ ، ولا أن يُباشِرَهُم ويُباشِروهُ ، ويُحاجَّهُم ويُحاجّوهُ ، ثَبَتَ أنَّ لَهُ سُفَراءَ في خَلقِهِ وعِبادِهِ يَدُلّونَهُم عَلى مَصالِحِهِم ومَنافِعِهِم ، وما بِهِ بَقاؤُهُم ، وفي تَركِهِ فَناؤُهُم ، فَثَبَتَ الآمِرونُ وَالنّاهونَ عَنِ الحَكيمِ العَليمِ في خَلقِهِ ، وثَبَتَ عِندَ ذلِكَ أنَّ لَهُ مُعَبِّرينَ وهُمُ الأَنبِياءُ وصَفوَتُهُ مِن خَلقِهِ ، حُكَماءَ مُؤَدَّبينَ بِالحِكمَةِ ، مَبعوثينَ عَنهُ ، مُشارِكينَ لِلنّاسِ في أحوالِهِم عَلى مُشارَكَتِهِم لَهُم فِي الخَلقِ وَالتَّركيبِ ، مُؤَيَّدينَ مِن عِندِ الحَكيمِ العَليمِ ، بِالحِكمَةِ وَالدَّلائِلِ وَالبَراهينِ وَالشَّواهِدِ : مِن إحياءِ المَوتى ، وإبراءِ الأَكمَهِ وَالأَبرَصِ ، فَلا تَخلُو الأَرضُ مِن حُجَّةٍ يَكونُ مَعَهُ عِلمٌ يَدُلُّ عَلى صِدقِ مَقالِ الرَّسولِ ووُجوبِ عَدالَتِهِ . ثُمَّ قالَ عليه السلام بَعدَ ذلِكَ ـ : نَحنُ نَزعُمُ أنَّ الأَرضَ لا تَخلو مِن حُجَّةٍ ، ولا تَكونُ الحُجَّةُ إلاّ مِن عَقِبِ الأَنبِياءِ ، وما بَعَثَ اللّه ُ نَبِيّا قَطُّ مِن غَيرِ نَسلِ الأَنبِياءِ ، وذلِكَ أنَّ اللّه َ شَرَعَ لِبَني آدَمَ طَريقا مُنيرا ، وأخرَجَ مِن آدَمَ نَسلاً طاهِرا طَيِّبا ، أخرَجَ مِنهُ الأَنبِياءَ وَالرُّسُلَ ، هُم صَفوَةُ اللّه ِ ، وخُلَّصُ الجَوهَرِ ، طُهِّروا فِي الأَصلابِ ، وحُفِظوا فِي الأَرحامِ ، لَم يُصِبهُم سِفاحُ الجاهِلِيَّةِ ، ولا شابَ أنسابُهُم ؛ لِأَنَّ اللّه َ عَزَّوجَلَّ جَعَلَهُم في مَوضِعٍ لا يَكونُ أعلى دَرَجَةً وشَرَفا مِنهُ ، فَمَن كانَ خازِنَ عِلمِ اللّه ِ ، وأمينَ غَيبِهِ ومُستَودَعَ سِرِّهِ ، وحُجَّتَهُ عَلى خَلقِهِ ، وتَرجُمانَهُ ولِسانَهُ ، لا يَكونُ إلاّ بِهذِهِ الصِّفَةِ ، فَالحُجَّةُ لا تَكونُ إلاّ مِن نَسلِهِم ، يَقومُ مَقامَ النَّبِيِّ صلى الله عليه و آلهفِي الخَلقِ بِالعِلمِ الَّذي عِندَهُ ووَرِثَهُ عَنِ الرَّسولِ ، إن جَحَدَهُ النّاسُ سَكَتَ ، وكانَ بَقاءُ ما عَلَيهِ النّاسُ قَليلاً مِمّا في أيديهِم مِن عِلمِ الرَّسولِ عَلَى اختِلافٍ مِنهُم فيهِ ، قَد أقاموا بَينَهُمُ الرَّأيَ وَالقِياسَ ، وإنَّهُم إن أقَرّوا بِهِ وأطاعوهُ وأخَذوا عَنهُ ، ظَهَرَ العَدلُ وذَهَبَ الاِختِلافُ وَالتَّشاجُرُ وَاستَوَى الأَمرُ وأبانَ الدّينُ ، وغَلَبَ عَلَى الشَّكِّ اليَقينُ ، ولا يَكادُ أن يُقِرَّ النّاسُ بِهِ ، ولا يُطيعوا لَهُ أو يَحفَظوا لَهُ بَعدَ فَقدِ الرَّسولِ ، وما مَضى رَسولٌ ولا نَبِيٌّ قَطُّ إلاّ وقَد تَختَلِفُ اُمَّتُهُ مِن بَعدِهِ ، وإنَّما كانَ عِلَّةُ اختِلافِهِم خِلافَهُم عَلَى الحُجَّةِ وتَركَهُم إيّاهُ . قالَ : فَما يُصنَعُ بِالحُجَّةِ إذا كانَ بِهذِهِ الصِّفَةِ ؟ قالَ : قَد يُقتَدى بِهِ ويَخرُجُ عَنهُ الشَّيءُ بَعدَ الشَّيءِ مَكانَهُ مَنفَعَةَ الخَلقِ وصَلاحَهُم ، فَإِن أحدَثوا في دينِ اللّه ِ شَيئا أعلَمَهُم وإن زادوا فيهِ أخبَرَهُم ، وإن نَقَصوا مِنهُ شَيئا أفادَهُم . ثُمَّ قالَ الزِّنديقُ : مِن أيِّ شَيءٍ خَلَقَ اللّه ُ الأَشياءَ ؟ قالَ عليه السلام : مِن لا شَيءٍ . فَقالَ : كَيفَ يَجيءُ مِن لا شَيءٍ شَيءٌ ؟ قالَ عليه السلام : إنَّ الأَشياءَ لا تَخلو أن تَكونَ خُلِقَت مِن شَيءٍ أو مِن غَيرِ شَيءٍ ، فَإِن كانَت خُلِقَت مِن شَيءٍ كانَ مَعَهُ ، فَإِنَّ ذلِكَ الشَّيءَ قَديمٌ وَالقَديمُ لا يَكونُ حَديثا ولا يَفنى ولا يَتَغَيَّرُ ، ولا يَخلو ذلِكَ الشَّيءُ مِن أن يَكونَ جَوهَرا واحِدا ولَونا واحِدا ، فَمِن أينَ جاءَت هذِهِ الأَلوانُ المُختَلِفَةُ ، وَالجَواهِرُ الكَثيرَةُ المَوجودَةُ في هذَا العالَمِ مِن ضُروبٍ شَتّى ؟ ومِن أينَ جاءَ المَوتُ إن كانَ الشَّيءُ الَّذي اُنشِئَت مِنهُ الأَشياءُ حَيّا ؟ ومِن أينَ جاءَتِ الحَياةُ إن كانَ ذلِكَ الشَّيءُ مَيِّتا ؟ ولا يَجوزُ أن يَكونَ مِن حَيٍّ ومَيِّتٍ قَديمَينِ لَم يَزالا ؛ لِأَنَّ الحَيَّ لا يَجيءُ مِنهُ مَيِّتٌ وهُوَ لَم يَزَل حَيّا ، ولا يَجوزُ أيضا أن يَكونَ المَيِّتُ قَديما لَم يَزَل بِما هُوَ بِهِ مِنَ المَوتِ ، لِأَنَّ المَيِّتَ لا قُدرَةَ لَهُ ولا بَقاءَ . . . قالَ : فَلَم يَزَل صانِعُ العالَمِ عالِما بِالأَحداثِ الَّتي أحدَثَها قَبلَ أن يُحدِثَها ؟ قالَ : فَلَم يَزَل يَعلَمُ فَخَلَقَ ما عَلِمَ . قالَ : أمُختَلِفٌ هُوَ أم م��ؤتَلِفٌ ؟ قالَ : لا يَليقُ بِهِ الاِختِلافُ ولاَ الاِيتِلافُ ، إنَّما يَختَلِفُ المُتَجَزِّي ، ويَأتَلِفُ المُتَبَعِّضُ ، فَلا يُقالُ لَهُ : مُؤتَلِفٌ ولا مُختَلِفٌ . قالَ : فَكَيفَ هُوَ اللّه ُ الواحِدُ ؟ قالَ : واحِدٌ في ذاتِهِ ، فَلا واحِدَ كَواحِدٍ ؛ لِأَنَّ ما سِواهُ مِنَ الواحِدِ مُتَجَزٍّ وهُوَ تَبارَكَ وتَعالى واحِدٌ لايَتَجَزّى ، ولا يَقَعُ عَلَيهِ العَدُّ . قالَ : فَلِأَيِّ عِلَّةٍ خَلَقَ الخَلقَ وهُوَ غَيرُ مُحتاجٍ إلَيهِم ، ولا مُضطَرٍّ إلى خَلقِهِم ، ولا يَليقُ بِهِ التَّعَبُّثُ بِنا ؟ قالَ : خَلَقَهُم لاِءِظهارِ حِكمَتِهِ وإنفاذِ عِلمِهِ وإمضاءِ تَدبيرِهِ . قالَ : وكَيفَ لا يَقتَصِرُ عَلى هذِهِ الدّارِ فَيَجعَلُها دارَ ثَوابِهِ ومُحتَبَسَ عِقابِهِ ؟ قالَ : إنَّ هذِهِ الدّارَ دارُ ابتِلاءٍ ، ومَتجَرُ الثَّوابِ ، ومُكتَسَبُ الرَّحمَةِ ، مُلِئَت آفاتٍ ، وطُبِّقَت شَهواتٍ ، لِيَختَبِرَ فيها عَبيدَهُ بِالطّاعَةِ ، فَلا يَكونُ دارُ عَمَلٍ دارَ جَزاءٍ . قالَ : أفَمِن حِكمَتِهِ أن جَعَلَ لِنَفسِهِ عَدُوّا ، وقَد كانَ ولا عَدُوَّ لَهُ ، فَخَلَقَ كَما زَعَمتَ «إبليسَ» فَسَلَّطَهُ عَلى عَبيدِهِ يَدعوهُم إلى خِلافِ طاعَتِهِ ، ويَأمُرُهُم بِمَعصِيَتِهِ ، وجَعَلَ لَهُ مِنَ القُوَّةِ كمازَعَمتَ ، يَصِلُ بِلُطفِ الحيلَةِ إلى قُلوبِهِم ، فَيُوَسوِسُ إلَيهِم فَيُشَكِّكُهُم في رَبِّهِم ، ويُلَبِّسُ عَلَيهِم دينَهُم ، فَيَزيلُهُم عَن مَعرِفَتِهِ ، حَتّى أنكَرَ قَومٌ لَمّا وَسوَسَ إلَيهِم رُبوبِيَّتَهُ ، وعَبَدوا سِواهُ ، فَلِمَ سَلَّطَ عَدُوَّهُ عَلى عَبيدِهِ ، وجَعَلَ لَهُ السَّبيلَ إلى إغوائِهِم ؟ قالَ : إنَّ هذَا العَدُوَّ الَّذي ذَكَرتَ لا تَضُرُّهُ عَداوَتُهُ ، ولا تَنفَعُهُ وِلايَتُهُ . وعَداوَتُهُ لا تَنقُصُ مِن مُلكِهِ شَيئا ، ووِلايَتُهُ لا تَزيدُ فيهِ شَيئا ، وإنَّما يُتَّقَى العَدُوُّ إذا كانَ في قُوَّةٍ يَضُرُّ ويَنفَعُ ، إن هَمَّ بِمُلكٍ أخَذَهُ ، أو بِسُلطانٍ قَهَرَهُ ، فَأَمَّا إبليسُ فَعَبدٌ ، خَلَقَهُ لِيَعبُدَهُ ويُوَحِّدَهُ ، وقَد عَلِمَ حينَ خَلَقَهُ ما هُوَ وإلى ما يَصيرُ إلَيهِ ، فَلَم يَزَل يَعبُدُهُ مَعَ مَلائِكَتِهِ حَتَّى امتَحَنَهُ بِسُجودِ آدَمَ ، فَامتَنَعَ مِن ذلِكَ حَسَدا وشِقاوَةً غَلَبَت عَلَيهِ فَلَعَنَهُ عِندَ ذلِكَ ، وأخرَجَهُ عَن صُفوفِ المَلائِكَةِ ، وأنزَلَهُ إلَى الأَرضِ مَلعونا مَدحورا فَصارَ عَدُوَّ آدَمَ ووُلدِهِ بِذلِكَ السَّبَبِ ، وما لَهُ مِنَ السَّلطَنَةِ عَلى وُلدِهِ إلاَّ الوَسوَسَةَ ، وَالدُّعاءَ إلى غَيرِ السَّبيلِ ، وقَد أقَرَّ مَعَ مَعصِيَتِهِ لِرَبِّهِ بِرُبوبِيَّتِهِ . قالَ : أفَيَصلَحُ السُّجودُ لِغَيرِ اللّه ِ ؟ قالَ : لا . قالَ : فَكَيفَ أمَرَ اللّه ُ المَلائِكَةَ بِالسُّجودِ لاِدَمَ ؟ فَقالَ : إنَّ مَن سَجَدَ بِأَمرِ اللّه ِ فَقَد سَجَدَ للّه ِِ ، فَكانَ سُجودُهُ للّه ِِ إِذا كانَ عَن أمرِ اللّه ِ تَعالى . . . قالَ : فَأَخبِرني عَنِ السِّحرِ ما أصلُهُ ؟ وكيف يَقدِرُ السّاحِرُ عَلى ما يوصَفُ من عَجائِبِهِ ، وما يَفعَلُ ؟ قالَ عليه السلام : إنَّ السِّحرَ عَلى وُجوهٍ شَتّى : وَجهٌ مِنها : بِمَنزِلَةِ الطِّبِّ ، كما أنَّ الأَطِبّاءَ وَضَعوا لِكُلِّ داءٍ دَواءً ، فَكَذلِكَ عِلمُ السِّحرِ ، اِحتالوا لِكُلِّ صِحَّةٍ آفَةً ، ولِكُلِّ عافِيَةٍ عاهَةً ، ولِكُلِّ مَعنىً حيلَةً . ونَوعٌ مِنهُ آخَرُ : خَطفَةٌ وسُرعَةٌ ومَخاريقُ وخِفَّةٌ . ونَوعٌ مِنهُ : ما يَأخُذُ أولياءُ الشَّياطينِ عَنهُم . قالَ : فَمِن أينَ عَلِمَ الشَّياطينُ السِّحرَ ؟ قالَ : مِن حَيثُ عَرَفَ الأَطِبّاءُ الطِّبَّ ، بَعضُهُ تَجرِبَةٌ وبَعضُهُ عِلاجٌ . قالَ : فَما تَقولُ فِي المَلَكين : هاروتَ وماروتَ ؟ وما يَقولُ النّاسُ بِأَنَّهُما يُعَلِّمانِ النّاسَ السِّحرَ ؟ قالَ : إنَّهُما مَوضِعُ ابتِلاءٍ ومَوقِفُ فِتنَةٍ ، تَسبيحُهُما : اليَومَ لَو فَعَلَ الإِنسانُ كَذا وكَذا لَكانَ كَذا ، ولَو يُعالِجُ بِكَذا وكَذا لَصارَ كَذا ، أصنافُ السِّحرِ فَيَتَعَلَّمونَ مِنهُما ما يَخرُجُ عَنهُما ، فَيَقولانِ لَهُم : إنَّما نَحنُ فِتنَةٌ فَلا تَأخُذوا عَنّا ما يَضُرُّكُم ولا يَنفَعُكُم . قالَ : أفَيَقدِرُ السّاحِرُ أن يَجعَلَ الإِنسانَ بِسِحرِهِ في صُورَةِ الكَلبِ أوِ الحِمارِ أو غَيرِ ذلِكَ ؟ قالَ : هُوَ أعجَزُ مِن ذلِكَ ، وأضعَفُ مِن أن يُغَيِّرَ خَلقَ اللّه ِ ، إنَّ مَن أبطَلَ ما رَكَّبَهُ اللّه ُ وصَوَّرَهُ وغَيَّرَهُ فَهُوَ شَريكُ اللّه ِ في خَلقِهِ ، تَعالَى اللّه ُ عَن ذلِكَ عُلُوّا كَبيرا . لَو قَدَرَ السّاحِرُ عَلى ما وَصَفتَ لَدَفَعَ عَن نَفسِهِ الهَرَمَ وَالآفَةَ وَالأَمراضَ ، ولَنَفَى البَياضَ عَن رَأسِهِ وَالفَقرَ عَن ساحَتِهِ ، وإنَّ مِن أكبَرِ السِّحرِ النَّميمَةَ ، يُفَرَّقُ بِها بَينَ المُتَحابَّينِ ، ويُجلَبُ العَداوَةُ عَلَى المُتصافَيَينِ ، ويُسفَكُ بِهَا الدِّماءُ ، ويُهدَمُ بِهَا الدّورُ ويُكشَفُ بِهَا السُّتورُ ، والنَّمامُ أشَرُّ مَن وَطِئَ الأَرضَ بِقَدَمٍ ، فَأَقرَبُ أقاويلِ السِّحرِ مِنَ الصَّوابِ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الطِّبِّ ، إنَّ السّاحِرَ عالَجَ الرَّجُلَ فَامتَنَعَ مِن مُجامَعَةِ النِّساءِ فَجاءَ الطَّبيبَ فَعالَجَهُ بِغَيرِ ذلِكَ العِلاج�� ، فَاُبر ِئَ . قالَ : فَما بالُ وُلدِ آدَمَ فيهِم شَريفٌ ووَضيعٌ ؟ قالَ : الشَّريفُ المُطيعُ ، وَالوَضيعُ العاصي . قالَ : ألَيسَ فيهِم فاضِلٌ ومَفضولٌ ؟ قالَ : إنَّما يَتَفاضَلونَ بِالتَّقوى . قالَ : فَتَقولُ إنَّ وُلدَ آدَمَ كُلَّهم سِواءٌ فِي الأَصلِ لا يَتَفاضَلونَ إلاّ بِالتَّقوى ؟ قالَ : نَعَم . إنّي وَجَدتُ أصلَ الخَلقِ التُّرابَ ، وَالأَبُ آدَمُ وَالاُمُّ حَوّاءُ ، خَلَقَهُم إلهٌ واحِدٌ وهُم عَبيدُهُ ، إنَّ اللّه َ عَزَّوجَلَّ اختارَ مِن وُلدِ آدَمَ اُناسا طَهَّرَ ميلادَهُم ، وطَيَّبَ أبدانَهُم ، وحَفِظَهُم في أصلابِ الرِّجالِ وأرحامِ النِّساءِ ، أخرَجَ مِنهُمُ الأَنبِياءَ وَالرُّسُلَ ، فَهُم أزكى فُروعِ آدَمَ ، ما فَعَلَ ذلِكَ لِأَمرٍ استَحَقّوهُ مِنَ اللّه ِ عَزَّوجَلَّ ولكِن عَلِمَ اللّه ُ مِنهُم ـ حينَ ذَرَأَهُم ـ أنَّهُم يُطيعونَهُ ويَعبُدونَهُ ولا يُشرِكونَ بِهِ شَيئا فَهؤُلاءِ بِالطّاعَةِ نالوا مِن اللّه ِ الكَرامَةَ وَالمَنزِلَةَ الرَّفيعَةَ عِندَهُ ، وهؤُلاءِ الَّذينَ لَهُمُ الشَّرَفُ وَالفَضلُ والحَسَبُ ، وسائِرُ النّاسِ سِواءٌ ، ألا مَنِ اتَّقَى اللّه َ أكرَمَهُ ، ومَن أطاعَهُ أحَبَّهُ ، ومَن أحَبَّهُ لَم يُعَذِّبهُ بِالنّارِ . قالَ : فَأَخبِرني عَنِ اللّه ِ عَزَّوجَلَّ كَيفَ لَم يَخلُقِ الخَلقَ كُلَّهم مُطيعينَ مُوَحِّدينَ وكانَ عَلى ذلِكَ قادِرا ؟ قالَ عليه السلام : لَو خَلَقَهُم مُطيعينَ لَم يَكُن لَهُم ثَوابٌ ؛ لِأَنَّ الطّاعَةَ إذا ما كانتَ فِعلَهُم لَم تَكُن جَنَّةٌ ولا نارٌ ، ولكِن خَلَقَ خَلقَهُ فَأَمَرَهُم بِطاعَتِهِ ونَهاهُم عَن مَعصِيَتِهِ وَاحتَجَّ عَلَيهِم بِرُسُلِهِ وقَطَعَ عُذرَهُم بِكُتُبِهِ ، لِيَكونوا هُمُ الَّذينَ يُطيعونَ ويَعصونَ ويَستَوجِبونَ بِطاعَتِهِم لَهُ الثَّوابَ وبِمَعصِيَتِهِم إيّاهُ العِقابَ . قالَ : فَالعَمَلُ الصّالِحُ مِنَ العَبدِ هُوَ فِعلُهُ ، وَالعَمَلُ الشَرُّ مِنَ العَبدِ هُوَ فِعلُهُ . قالَ : العَمَلُ الصّالِحُ مِنَ العَبدِ بِفِعلِهِ وَاللّه ُ بِهِ أمَرَهُ ، والعَمَلُ الشَّرُّ مِنَ العَبدِ بِفِعلِهِ وَاللّه ُ عَنهُ نَهاهُ . قالَ : ألَيسَ فَعَلَهُ بِالآلَةِ الَّتي رَكَّبَها فيهِ ؟ قالَ : نَعَم ، ولكِن بِالآلَةِ الَّتي عَمِلَ بِهَا الخَيرَ قَدَرَ عَلَى الشَّرِّ الَّذي نَهاهُ عَنهُ . قالَ : فَإِلَى العَبدِ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ ؟ قالَ : ما نَهاهُ اللّه ُ عَن شَيءٍ إلاّ وقَد عَلِمَ أنَّهُ يُطيقُ تَركَهُ ، ولا أمَرَهُ بِشَيءٍ إلاّ وقَد عَلِمَ أنَّهُ يَستَطيعُ فِعلَهُ ، لِأَ نَّهُ لَيسَ مِن صِفَتِهِ الجَورُ وَالعَبَثُ وَالظُّلمُ وتَكليفُ العِبادِ ما لا يُطيقونَ . قالَ : فَمَن خَلَقَهُ اللّه ُ كافِرا أيَستَطيعُ الإِيمانَ ولَهُ عَلَيهِ بِتَركِهِ الإِيمانَ حُجَّةٌ ؟ قالَ عليه السلام : إنَّ اللّه َ خَلَقَ خَلقَهُ جَميعا مُسلِمينَ ، أمَرَهُم ونَهاهُم ، وَالكُفرُ اسمٌ يَلحَقُ الفاعِلَ حينَ يَفعَلُهُ العَبدُ ، ولَم يَخلُقِ اللّه ُ العَبدَ حينَ خَلَقَهُ كافِرا ، إنَّهُ إنَّما كَفَرَ مِن بَعدِ أن بَلَغَ وَقتا لَزِمَتهُ الحُّجَةُ مِنَ اللّه ِ ، فَعَرَضَ عَلَيهِ الحَقَّ فَجَحَدَهُ ، فَبِإِنكارِهِ الحَقَّ صارَ كافِرا . قالَ : أفَيَجوزُ أن يُقَدِّرَ عَلَى العَبدِ الشَّرَّ ، ويَأمُرَهُ بِالخَيرِ وهُوَ لا يَستَطيعُ الخَيرَ أن يَعمَلَهُ ، ويُعَذِّبَهُ عَلَيهِ ؟ قالَ : إنَّهُ لا يَليقُ بِعَدلِ اللّه ِ ورَأفَتِهِ أن يُقَدِّرَ عَلَى العَبدِ الشَّرَّ ويُريدَهُ مِنهُ ، ثُمَّ يَأمُرَهُ بِما يَعلَمُ أنَّهُ لايَستَطيعُ أخذَهُ ، والإِنزاعِ عَمّا لا يَقدِرُ عَلى تَركِهِ ، ثُمَّ يُعَذِّبَهُ عَلى تَركِهِ أمرَهُ الَّذي عَلِمَ أنَّهُ لا يَستَطيعُ أخذَهُ . قالَ : بِماذَا استَحَقَّ الَّذين أغناهُم وأوسَعَ عَلَيهِم مِن رِزقِهِ الغَناءَ وَالسَّعَةَ ، وبِماذَا استَحَقَّ الفَقيرُ التَّقتيرَ وَالضّيقَ ؟ قالَ : اِختَبَرَ الأَغنِياءَ بِما أعطاهُم لِيَنظُرَ كَيفَ شُكرُهُم ، وَالفُقَراءَ بِما مَنَعَهُم لِيَنظُرَ كَيفَ صَبرُهُم . ووَجهٌ آخَرُ : إنَّهُ عَجَّلَ لِقَومٍ في حَياتِهِم ، ولِقَومٍ آخَرَ لِيَومِ حاجَتِهِم إلَيهِ . ووَجهٌ آخَرُ : فَإِنَّهُ عَلِمَ احتِمالَ كُلِّ قَومٍ فَأَعطاهُم عَلى قَدرِ احتِمالِهِم ، ولَو كانَ الخَلقُ كُلُّهُم أغنِياءَ لَخَرِبَتِ الدُّنيا وفَسَدَ التَّدبيرُ ، وصارَ أهلُها إلَى الفَناءِ ولكِن جَعَلَ بَعضَهُم لِبَعضٍ عَونا ، وجَعَلَ أسبابَ أرزاقِهِم في ضُروبِ الأَعمالِ وأنواعِ الصّناعاتِ ، وذلِكَ أدوَمُ فِي البَقاءِ وأصَحُّ فِي التَّدبيرِ ، ثُمَّ اختَبَرَ الأَغنِياءَ بِالاِستِعطافِ عَلَى الفُقَراءِ ، كُلُّ ذلِكَ لُطفٌ ورَحمَةٌ مِنَ الحَكيمِ الَّذي لايُعابُ تَدبيرُهُ . قالَ : فَبِمَا استَحَقَّ الطِّفلُ الصَّغيرُ ما يُصيبُهُ مِنَ الأَوجاعِ وَالأَمراضِ بِلا ذَنبٍ عَمِلَهُ ، ولا جُرمٍ سَلَفَ مِنهُ ؟ قالَ : إنَّ المَرَضَ عَلى وُجوهٍ شَتّى : مَرَضُ بَلوىً ومَرَضُ عُقوبَةٍ ، مَرَضٌ جُعِلَ عِلَّةً لِلفَناءِ ، وأنتَ تَزعُمُ أنَّ ذلِكَ مِن أغذِيَةٍ رَدِيَّةٍ ، وأشرِبَةٍ وَبِيَّةٍ ، أو عِلَّةٍ كانَت بِاُمِّهِ ، وتَزعُمُ أنَّ مَن أحسَنَ السِّياسَةَ لِبَدَنِهِ ، وأجمَلَ النَّظَرَ في أحوالِ نَفسِهِ ، وعَرَفَ الضّارَّ مِمّا يَأك��لُ مِنَ النّافِعِ لَم يَمرَض ، وتَميلُ في قَولِكَ إلى مَن يَزعُمُ أنَّهُ لا يَكونُ المَرَضُ وَالمَوتُ إلاّ مِنَ المَطعَمِ وَالمَشرَبِ . قَد ماتَ أرِسطاطا ليسُ مُعَلِّمُ الأَطِبّاءِ ، وأفلاطونُ رَئيسُ الحُكَماءِ ، وجالينوسُ شاخَ ودَقَّ بَصَرُهُ وما دَفَعَ المَوتَ حينَ نَزَلَ بِساحَتِهِ ، ولَم يَألوا حِفظَ أنفُسِهِم ، وَالنَّظَرَ لِما يُوافِقُها . كَم مِن مَريضٍ قَد زادَهُ المُعالِجُ سُقما ! وكَم مِن طَبيبٍ عالِمٍ ، وبَصيرٍ بِالأَدواءِ والأَدوِيَةِ ماهرٍ ماتَ! وعاشَ الجاهِلُ بِالطِّبِّ بَعدَهُ زَمانا ، فَلا ذاكَ نَفَعَهُ عِلمُهُ بِطِبِّهِ عِندَ انقِطاعِ مُدَّتِهِ وحُضورِ أجَلِهِ ، ولا هذِهِ ضَرَّهُ الجَهلُ بِالطِّبِّ مَعَ بَقاءِ المُدَّةِ وتَأَخُّرِ الأَجَلِ . . . قالَ : فَأَخبِرني عَنِ اللّه ِ عَزَّوجَلَّ ألَهُ شَريكٌ في مُلكِهِ ، أو مُضادٌّ لَهُ في تَدبيرِهِ ؟ قالَ : لا . قالَ : فَما هذَا الفَسادُ المَوجودُ في هذَا العالَمِ : مِن سِباعٍ ضارِيَةٍ ، وهَوامٍّ مُخَوِّفَةٍ ، وخَلقٍ كَثيرٍ مُشَوَّهَةٍ ، ودودٍ وبَعوضٍ ، وحَيّاتٍ وعَقارِبَ ، وزَعَمتَ أنَّهُ لا يَخلُقُ شَيئا إلاّ لِعِلَّةٍ ، لِأَ نَّهُ لا يَعبَثُ ؟! قالَ : ألَستَ تَزعُمُ أنَّ العَقارِبَ تَنفَعُ مِن وَجَعِ المَثانَةِ وَالحَصاةِ ، ولِمَن يَبولُ فِي الفِراشِ ، وأنَّ أفضَلَ التِّرياقِ ما عولِجَ مِن لُحومِ الأَفاعي ، فَإِنَّ لُحومَها إذا أكَلَهَا المَجذومُ بِشَبٍّ [٢] نَفَعَهُ ، وتَزعُمُ أنَّ الدّودَ الأَحمَرَ الَّذي يُصابُ تَحتَ الأَرضِ نافِعٌ لِلآكِلَةِ ؟ قالَ : نَعَم . قالَ عليه السلام : فَأَمَّا البَعوضُ وَالبَقُّ فَبَعضُ سَبَبِهِ أنَّهُ جُعِلَ أرزاقَ بَعضِ الطَّيرِ ، وأهانَ بِها جَبّارا تَمَرَّدَ عَلَى اللّه ِ وتَجَبَّرَ ، وأنكَرَ رُبوبِيَّتَهُ ، فَسَلَّطَ اللّه ُ عَلَيهِ أضعَفَ خَلقِهِ لِيُرِيَهُ قُدرَتَهُ وعَظَمَتَهُ ، وهِيَ البَعوضَةُ فَدَخَلَت في مِنخَرِهِ حَتّى وَصَلَت إلى دِماغِهِ فَقَتَلَتهُ . وَاعلَم أنّا لَو وَقَفنا عَلى كُلِّ شَيءٍ خَلَقَهُ اللّه ُ تَعالى لِمَ خَلَقَهُ ؟ ولِأَيِّ شَيءٍ أنشَأَهُ ؟ لكِنّا قَد ساوَيناهُ في عِلمِهِ ، وعَلِمنا كُلَّما يَعلَمُ وَاستَغنَينا عَنهُ ، وكُنّا وهُوَ فِي العِلمِ سَواءً . قالَ : فَأَخبِرني هَل يُعابُ شَيءٌ مِن خَلقِ اللّه ِ وتَدبيرِهِ ؟ قالَ : لا . قالَ : فَإِنَّ اللّه َ خَلَقَ خَلقَهُ غَرَلاً [٣] ، أذلِكَ مِنهُ حِكمَةٌ أم عَبَثٌ ؟ قالَ : بَل حِكمَةٌ مِنهُ . قالَ : غَيَّرتُم خَلقَ اللّه ِ ، وجَعَلتُم فِعلَكُم في قَطعِ الغُلفَةِ أصوَب مِمّا خَلَقَ اللّه ُ لَها ، وعِبتُم الأَغلَفَ واللّه ُ خَلَقَهُ ، ومَدَحتُمُ الخِتانَ وهُوَ فِعلُكُم . أم تَقولونَ إنَّ ذلِكَ مِنَ اللّه ِ كانَ خَطَأً غَيرَ حِكَمَةٍ ؟! قالَ عليه السلام : ذلِكَ مِنَ اللّه ِ حِكمَةٌ وصَوابٌ ، غَيرَ أنَّهُ سَنَّ ذلِكَ وأوجَبَهُ عَلى خَلقِهِ ، كَما أنَّ المَولودَ إذا خَرَجَ مِن بَطنِ اُمِّهِ وَجَدنا سُرَّتَهُ مُتَّصِلَةً بِسُرَّةِ اُمِّهِ ، كَذلِكَ خَلَقَهَا الحَكيمُ فَأَمَرَ العِبادَ بِقَطعِها ، وفي تَركِها فَسادٌ بَيِّنٌ لِلمَولودِ وَالاُمِّ . وكَذلِكَ أظفارُ الإِنسانِ أمَرَ إذا طالَت أن تُقَلَّمَ ، وكانَ قادِرا يَومَ دَبَّرَ خَلقَ الإِنسانِ أن يَخلُقَها خِلقَةً لا تَطولُ ، وكَذلِكَ الشَّعرُ مِنَ الشّارِبِ وَالرَّأسِ يَطولُ فَيُجَزُّ ، وكَذلِكَ الثّيرانُ خَلَقَهَا اللّه ُ فُحولَةً وإخصاؤُها أوفَقُ ، ولَيسَ في ذلِكَ عَيبٌ في تَقدِيرِ اللّه ِ عَزَّوجَلَّ . قالَ : ألَستَ تَقولُ : إنَّ اللّه َ تَعالى قالَ : « ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ [٤] »وقَد نَرَى المُضطَرَّ يَدعوهُ فَلا يُجابُ لَهُ ، وَالمَظلومَ يَستَنصِرُهُ عَلى عَدُوِّهِ فَلا يَنصُرُهُ ؟ قالَ : وَيحَكَ! ما يَدعوهُ أحَدٌ إلاّ استَجابَ لَهُ . أمَّا الظّالِمُ فَدُعاؤُهُ مَردودٌ إلى أن يَتوبَ إلَى اللّه ِ ، وأمَّا المُحِقُّ فَإِنَّهُ إذا دَعاهُ استَجابَ لَهُ ، وصَرَفَ عَنهُ البَلاءَ مِن حَيثُ لا يَعلَمُهُ ، أوِ ادَّخَرَ لَهُ ثَوابا جَزيلاً لِيَومِ حاجَتِهِ إلَيهِ ، وإن لَم يَكُنِ الأَمرُ الَّذي سَأَلَ العَبدُ خَيرا لَهُ إن أعطاهُ أمسَكَ عَنهُ ، وَالمُؤمِنُ العارِفُ بِاللّه ِ رُبَّما عَزَّ عَلَيهِ أن يَدعُوَهُ فيما لا يَدري أصَوابٌ ذلِكَ أم خَطَأٌ ، وقَد يَسأَلُ العَبدُ رَبَّهُ إهلاكَ مَن لَم تَنقَطِع مُدَّتُهُ! ويَسألُ المَطَرَ وَقتا ولَعَلَّهُ أوانٌ لا يَصلَحُ فيهِ المَطَرُ! لِأَ نَّهُ أعرَفُ بِتَدبيرِ ما خَلَقَ مِن خَلقِهِ ، وأشباهُ ذلِكَ كَثيرَةٌ فَافهَم هذا . قالَ : فَأَخبِرني ـ أيُّهَا الحَكيمُ ! ـ ما بالُ السَّماءِ لا يَنزِلُ مِنها إلَى الأَرضِ أحدٌ ولا يَصعَدُ مِنَ الأَرضِ إلَيها بَشَرٌ ، ولا طَريقٌ إلَيها ، ولا مَسلَكٌ ، فَلَو نَظَرَ العِبادُ في كُلِّ دَهرٍ مَرَّةً مَن يَصعَدُ إلَيها ويَنزِلُ ، لَكانَ ذلِكَ أثبَتُ فِي الرُّبوبِيَّةِ وأنفى لِلشَّكِّ وأقوى لِليَقينِ ، وأجدَرُ أن يَعلَمَ العِبادُ أنَّ هُناكَ مُدَبِّرا إلَيهِ يَصعَدُ الصّاعِدُ ومِن عِندِهِ يَهبِطُ الهابِطُ ؟! قالَ عليه السلام : إنَّ كُلَّ ما تَرى فِي الأَرضِ مِنَ التَّدبيرِ إنَّما هُوَ يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ ، ومِنها يَظهَرُ . أما تَرَى الشَّمسَ مِنها تَطلُعُ وهِيَ نورُ النَّهارِ ، ومِنها قِوامُ الدُّنيا ، ولَو حُبِسَت حارَ مَن عَلَيها وهَلَكَ ، وَالقَمرَ مِنها يَطلُعُ وهُوَ نورُ اللَّيلِ ، وبِهِ يُعلَمُ عَدَدُ السِّنينَ وَالحِسابُ ، وَالشُّهورُ وَالأَيّامُ ، ولَو حُبِسَ لَحارَ مَن عَلَيها وفَسَدَ التَّدبيرُ ، وفِي السَّماءِ النُّجومُ الَّتي يُهتَدى بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحرِ ، ومِنَ السَّماءِ يَنزِلُ الغَيثُ الَّذي فيهِ حَياةُ كُلِّ شَيءٍ : مِنَ الزَّرعِ وَالنَّباتِ وَالأَنعامِ وكُلِ الخَلقِ ، لَو حُبِسَ عَنهُم لَما عاشوا ، وَالرِّيحُ لَو حُبِسَت أيّاما لَفَسَدَتِ الأَشياءُ جَميعا وتَغَيَّرَت ، ثُمَّ الغَيمُ ، وَالرَّعدُ وَالبَرقُ وَالصَّواعِقُ ؟! كُلُّ ذلِكَ إنَّما هُوَ دَليلٌ عَلى أنَّ هُناكَ مُدَبِّرا يُدَبِّرُ كُلَّ شَيءٍ ومِن عِندِهِ يَنزِلُ ، وقَد كَلَّمَ اللّه ُ موسى وناجاهُ ، ورَفَعَ اللّه ُ عيسَى بنَ مَريَمَ وَالمَلائِكَةُ تَنزِلُ مِن عِندِهِ ، غَيرَ أنَّكَ لاتُؤمِنُ بِما لَم تَرَهُ بِعَينِكَ ، وفيما تَراهُ بِعَينِكَ كِفايَةٌ إن تَفهَم وتَعقِل . قالَ : فَلَو أنَّ اللّه َ تَعالى رَدَّ إلَينا مِنَ الأَمواتِ في كُلِّ مِائَةِ عامٍ واحِدا لِنَسألَهُ عَمَّن مَضى مِنّا إلى ما صاروا وكَيفَ حالُهُم ، وماذا لَقوا بَعدَ المَوتِ ، وأيُّ شَيءٍ صُنِعَ بِهِم ، لَيَعمَلُ النّاسُ عَلَى اليَقينِ ، وَاضمَحَلَ الشَّكُّ ، وذَهَبَ الغِلُّ عَنِ القُلوبِ . قالَ : إنَّ هذِهِ مَقالَةُ مَن أنكَرَ الرُّسُلَ وكَذَّبَهُم ، ولَم يُصَدِّق بِما جاؤوا بِهِ مِن عِندِ اللّه ِ ، إذ أخبَروا وقالوا : إنَّ اللّه َ أخبَرَ في كتابِهِ عَزَّوجَلَّ عَلى لِسانِ أنبِيائِهِ ، حالَ مَن ماتَ مِنّا ، أفَيَكونُ أحَدٌ أصدَقَ مِنَ اللّه ِ قَولاً ومِن رُسُلِهِ . وقَد رَجَعَ إلَى الدُّنيا مِمَّن ماتَ خَلقٌ كَثيرٌ ، مِنهُم «أصحابُ الكَهفِ» أماتَهُم اللّه ُ ثَلاثَمِائَةِ عامٍ وتِسعَةً ، ثُمَّ بَعَثَهُم في زَمانِ قَومٍ أنكَرُوا البَعثَ ، لِيَقطَعَ حُجَّتَهُ ، ولِيُرِيَهُم قُدرَتَهُ ولِيَعلَموا أنَّ البَعثَ حَقٌّ . وأماتَ اللّه ُ «إرمِياءَ» النَّبِيَّ عليه السلام الَّذي نَظَرَ إلى خَرابِ بَيتِ المَقدِسِ وما حَولَهُ حينَ غَزاهُم بُختُ نَصَّرَ ، وقالَ : « أَنَّى يُحْيى هَـذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ [٥] » ، ثُمَّ أحياهُ ونَظَرَ إلى أعضائِهِ كَيفَ تَلتَئِمُ ، وكَيفَ تَلبَسُ اللَّحمَ ، وإلى مَفاصِلِهِ وعُروقِهِ كَيفَ توصَلُ ؛ فَلَمَّا استَوى قاعِدا قالَ : « أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْ ءٍ قَدِيرٌ . [٦] » وأحيَا اللّه ُ قَوما خَرَجوا عَن أوطانِهِم هارِبين مِنَ الطّاعونِ لا يُحصى عَدَدُهُم ، فَأَماتَهُمُ اللّه ُ دَهرا طَويلاً حَتّى بُلِيَت عِظامُهُم ، وتَقَطَّعَت أوصالُهُم وصاروا تُرابا ، فَبَعَثَ اللّه ُ في وَقتٍ أحَبَّ أن يُرِيَ خَلقَهُ قُدرَتَهُ نَبِيّا يُقالُ لَهُ : «حِزقيل» فَدَعاهُم فَاجتَمَعَت أبدانُهُم ، ورَجَعَت فيها أرواحُهُم ، وقاموا كَهَيئَةِ يَومِ ماتوا ، لا يَفقِدونَ مِن أعدادِهِم رَجُلاً ، فَعاشوا بَعدَ ذلِكَ دَهرا طَويلاً . [٧] وإنَّ اللّه َ أماتَ قَوما خَرَجوا مَعَ موسى عليه السلام حينَ تَوَجَّهَ إلَى اللّه ِ عَزَّوجَلَّ فَقالوا : « أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [٨] »َأَماتَهُمُ اللّه ُ ثُمَّ أحياهُم . قالَ : فَأَخبِرني عَمَّن قالَ بِتَناسُخِ الأَرواحِ ، مِن أيِّ شَيءٍ قالوا ذلِكَ ، وبِأَيِّ حُجَّةٍ قاموا عَلى مَذاهِبِهِم ؟ قالَ : إنَّ أصحابَ التَّناسُخِ قَد خَلَّفوا وَراءَهُم مِنهاجَ الدِّينِ ، وزَيَّنوا لِأَنفُسِهِم الضَّلالات ، وأمرَجوا [٩] أنفُسَهُم فِي الشَّهَواتِ ، وزَعَموا أنَّ السَّماءَ خاوِيَةٌ ما فيها شيءٌ مِمّا يوصَفُ ، وأنَّ مُدَبِّرَ هذَا العالَمِ في صورَةِ المَخلوقينَ ، بِحُجَّةِ مَن رَوى أنَّ اللّه َ عَزَّوجَلَّ خَلَقَ آدَمَ عَلى صورَتِهِ ، وأنَّهُ لا جَنَّةَ ولا نارَ ، ولا بَعثَ ولا نُشورَ ، وَالقِيامَةُ عِندَهُم خُروجُ الرُّوحِ مِن قالَبِهِ ووُلوجُهُ في قالَبٍ آخَرَ ، إن كانَ مُحسِنا فِي القالَبِ الأَوَّلِ اُعيدَ في قالَبٍ أفضَلَ مِنهُ حَسَنا في أعلى دَرَجَةٍ مِنَ الدُّنيا ، وإن كانَ مُسيئا أو غَيرَ عارِفٍ صارَ في بَعضِ الدَّوابِّ المُتعَبَةِ فِي الدُّنيا ، أو هَوامٍّ مُشَوَّهَةِ الخِلقَةِ ، ولَيسَ عَلَيهِم صَومٌ ولا صَلاةٌ ، ولا شَيءٌ مِنَ العِبادَةِ أكثَر مِن مَعرِفَةِ مَن تَجِبَ عَلَيهِم مَعرِفَتُهُ وكُلُّ شَيءٍ مِن شَهَواتِ الدُّنيا مُباحٌ لَهُم : مِن فُروجِ النِّساءِ وغَيرِ ذلِكَ مِنَ الأَخَواتِ وَالبَناتِ وَالخالاتِ وذَواتِ البُعولَةِ . وكَذلِكَ المَيتَةُ ، وَالخَمرُ ، وَالدَّمُ ، فَاستَقبَحَ مَقالَتَهُم كُلُّ الفِرَقِ ، ولَعَنَهُم كُلُّ الاُمَمِ ، فَلَمّا سُئِلُوا الحُجَّةَ زاغوا وحادوا ، فَكَذَّبَ مَقالَتَهُمُ التَّوراةُ ، ولَعَنَهُمُ الفُرقانُ ، وزَعَموا مَعَ ذلِكَ أنَّ إلهَهُم يَنتَقِلُ مِن قالَبٍ إلى قالَبٍ ، وأنَّ الأَرواحَ الأَزَلِيَّةَ هِيَ الَّتي كانَت في آدَمَ ، ثُمَّ هَلُمَّ جَرّا تَجري إلى يَومِنا هذا في واحِدٍ بَعدَ آخَرَ ، فَإِذا كانَ الخالِقُ في صورَةِ المَخلوقِ فَبِما يُستَدَلُّ عَلى أنَّ أحَدَهُما خا��ِقُ صاحِبِهِ ؟! وقالوا : إنَّ المَلائِكَةَ مِن وُلدِ آدَمَ كُلُّ مَن صارَ في أعلى دَرَجَةٍ من دينِهِم خَرَجَ مِن مَنزِلَةِ الاِمتِحانِ وَالتَّصفِيَةِ فَهُوَ مَلَكٌ ، فَطورا تَخالُهُم نَصارى في أشياءَ ، وطَورا دَهرِيَّةٌ يَقولونَ : إنَّ الأَشياءَ عَلى غَيرِ الحَقيقَةِ ، فَقد كانَ يَجِبُ عَلَيهِم أن لايَأكُلوا شَيئا مِنَ اللُّحمانِ ؛ لِأَنَّ الدَّوابَّ كُلَّها عِندَهُم مِن وُلدَ آدَمَ حُوِّلوا مِن صُوَرِهِم ، فَلا يَجوزُ أكلُ لُحومِ القُرُباتِ . قالَ : ومَن زَعَمَ أنَّ اللّه َ لَم يَزَل ومَعَهُ طينَةٌ مُؤذِيَةٌ ، فَلَم يَستَطِعِ التَّفَصِّيَ مِنها إلاّ بِامتِزاجِهِ بِها ودُخولِهِ فيها ، فَمِن تِلكَ الطّينَةِ خَلَقَ الأَشياءَ . قالَ : سُبحانَ اللّه ِ وتَعالى!! ما أعجَزَ إلها يوصَفُ بِالقُدرَةِ ، لايَستَطيعُ التَّفَصِّيَ مِنَ الطّينَةِ! إن كانَتِ الطّينَةُ حَيَّةً أزَلِيَّةً ، فكانا إلهَينِ قَديمَينِ فَامتَزَجا ودَبَّرَا العالَمَ مِن أنفُسِهِما ، فَإِن كانَ ذلِكَ كَذلِكَ فَمِن أينَ جاءَ المَوتُ وَالفَناءُ ؟ وإن كانَتِ الطّينَةُ ميتَةً فَلا بَقاءَ لِلمَيِّتِ مَعَ الأَزَلِيِّ القَديمِ ، وَالمَيِّتُ لايَجيءُ مِنهُ حَيٌّ . وهذِهِ مَقالَةُ الدّيصانِيَّةِ : أشَدِّ الزَّنادِقَةِ قَولاً ، وأمهَنِهِم مَثَلاً ، نَظَروا في كُتُبٍ قد صَنَّفَتها أوائِلُهُم ، وحَبَروها لَهُم بِأَلفاظٍ مُزَخرَفَةٍ مِن غَيرِ أصلٍ ثابِتٍ ، ولا حُجَّةَ توجِبُ إثباتَ ما ادَّعَوا ، كُلُّ ذلِكَ خِلافا عَلَى اللّه ِ وعَلى رُسُلِهِ ، وتَكذيبا بِما جاؤوا بِهِ عَنِ اللّه ِ تَعالى . فَأَمّا مَن زَعَمَ أنَّ الأَبدانَ ظُلمَةٌ ، والأَرواحَ نورٌ ، وأنَّ النّورَ لا يَعمَلُ الشَّرَّ وَالظُّلمَةَ لا تَعمَلُ الخَيرَ ، فَلا يَجِبُ عَلَيهِم أن يَلوموا أحَدا عَلى مَعصِيَةٍ ولا رُكوبِ حُرمَةٍ ولا إتيانِ فاحِشَةٍ ، وإنَّ ذلِكَ عَلَى الظُّلمَةِ غَيرُ مُستَنكَرٍ ؛ لِأَنَّ ذلِكَ فِعلُها ولا لَهُ أن يَدعُوَ رَبّا ، ولا يَتَضَرَّعَ إلَيهِ ؛ لِأَنَّ النّورَ رَبٌّ ، وَالرَّبُّ لا يَتَضَرَّعُ إلى نَفسِهِ ولا يَستَعيذُ بِغَيرِهِ ، ولا لِأَحَدٍ مِن أهلِ هذِهِ المَقالَةَ أن يَقولَ : «أحسَنتَ يا مُحسِنُ» أو «أسَأتَ» ؛ لِأَنَّ الإِساءَةَ مِن فِعلِ الظُّلمَةِ وذلِكَ فَعَلَها ، وإِلاحسانُ مِنَ النّورِ ، ولا يَقولُ النّورُ لِنَفسِهِ أحسَنتَ يا مُحسِنُ ، ولَيسَ هُناكَ ثالِثٌ ، فَكانَتِ الظُّلمَةُ عَلى قِياسِ قَولِهِم ، أحكَمَ فِعلاً وأتقَنَ تَدبيرا وأعَزَّ أركانا مِنَ النّورِ ، لِأَنَّ الأبدانَ مُحكَمَةٌ ، فَمَن صَوَّر هذَا الخَلقَ صورَةً واحِدَةً عَلى نُعوتٍ مُختَلِفَةٍ ؟ وكُلُّ شَيءٍ يُرى ظاهِرا مِنَ الزَّهرِ وَالأَشجارِ وَالثِّمارِ وَالطُّيورِ وَالدَّوابِّ يَجِبُ أن يَكونَ إلها ، ثُمَّ حَبَسَتِ النّورَ في حَبسِها وَالدَّولَةُ لَها ، وأمّا مَا ادَّعَوا بِأَنَّ العاقِبَةَ سَوفَ تَكونُ لِلنّورِ فَدعوًى ، ويَنبَغي عَلى قِياسِ قَولِهِم أن لا يَكونَ لِلنّورِ فِعلٌ لِأَ نَّهُ أسيرٌ ، ولَيسَ لَهُ سُلطانٌ ، فَلا فِعلَ لَهُ ولا تَدبيرَ ، وإن كانَ لَهُ مَعَ الظُّلمَةِ تَدبيرٌ ، فَما هُوَ بِأَسيرٍ بَل هُوَ مُطلَقٌ عَزيزٌ ، فَإِن لَم يَكُن كَذلِكَ وكانَ أسيرَ الظُّلمَةِ ، فَإِنَّهُ يَظهَرُ في هذَا العالَمِ إحسانٌ وخَيرٌ مَعَ فَسادٍ وشَرٍّ ، فَهذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الظُّلمَةَ تُحسِنُ الخَيرَ وتَفعَلُهُ ، كَما تُحسِنُ الشَّرَّ وتَفعَلُهُ ، فَإِن قالوا مُحالٌ ذلِكَ فَلا نُورَ يَثبُتُ ولا ظُلمَةَ ، وبَطَلَت دَعواهُم ، ورَجَعَ الأَمرُ إلى أنَّ اللّه َ واحِدٌ وما سِواهُ باطِلٌ ، فَهذِهِ مَقالَةُ مانِي الزِّنديقِ وأصحابِهِ [١٠] . وأمّا مَن قالَ : النّورُ وَالظُّلمَةُ بَينَهما حَكَمٌ ، فَلابُدَّ مِن أن يَكونَ أكبَرُ الثَّلاثَةِ الحَكَمَ ، لِأَ نَّهُ لايَحتاجُ إلَى الحاكِمِ إلاّ مَغلوبٌ أو جاهِلٌ أو مَظلومٌ ، وهذِهِ مَقالَةُ المانَوِيَّةِ وَالحِكايَةُ عَنهُم تَطولُ . . . قالَ : فَلِمَ حَرَّمَ اللّه ُ الخَمرَ ولا لَذَّةَ أفضَلُ مِنها ؟ قالَ : حَرَّمَها لِأَ نَّها اُمُّ الخَبائِثِ ، ورَأسُ كُلِّ شَرٍّ ، يَأتي عَلى شارِبِها ساعَةٌ يُسلَبُ لُبُّهُ ، ولا يَعرِفُ رَبَّهُ ، ولا يَترُكُ مَعصِيَةً إلاّ رَكِبَها ولا حُرمَةً إلاّ انتَهَكَها ولا رَحِما ماسَّةً إلاّ قَطَعَها ، ولا فاحِشَةً إلاّ أتاها ، وَالسَّكرانُ زِمامُهُ بِيَدِ الشَّيطانِ ، إن أمَرَهُ أن يَسجُدَ لِلأَوثانِ سَجَدَ ، ويَنقادُ حَيثُ ما قادَهُ . قالَ : فَلِمَ حَرَّمَ الدَّمَ المَسفوحَ ؟ قالَ : لِأَ نَّهُ يورِثُ القَساوَةَ ، ويَسلُبُ الفُؤَادَ رَحمَتَهُ ، ويُعَفِّنُ البَدَنَ ويُغَيِّرُ اللَّونَ ، وأكثَرُ ما يُصيبُ الإِنسانَ الجُذامُ يَكونُ مِن أكلِ الدَّمِ . قالَ : فَأَكلُ الغُدَدِ ؟ قالَ : يورِثُ الجُذامَ . قالَ : فَالميتَةُ لِمَ حَرَّمَها ؟ قالَ : فَرقا بَينَها وبَينَ ما يُذَكّى ويُذكَرُ عَلَيهِ اسمُ اللّه ِ ، وَالميتَةُ قَد جَمَدَ فيهَا الدَّمُ وتَراجَعَ إلى بَدَنِها ، فَلَحمُها ثَقيلٌ غَيرُ مَريءٍ ؛ لِأَ نَّها يُؤكَلُ لَحمُها بِدَمِها . قالَ : فَالسَّمَكُ ميتَةٌ ؟ قالَ : إنَّ السَّمَكَ ذَكاتُهُ إخراجُهُ حَيّا مِنَ الماءِ ، ثُمَّ يُترَكُ حَتّى يَموتَ مِن ذاتِ نَفسِهِ ، وذلِكَ أنَّهُ لَيسَ لَهُ دمٌ ، وكَذلِكَ الجَرادُ . قالَ : فَلِمَ حَرَّمَ الزِّنا ؟ قالَ : لِما فيهِ مِنَ الفَسادِ وذَهابِ المَواريثِ وانقِطاعِ الأَنسابِ ، لا تَعلَمُ المَرأَةُ فِي الزِّنا مَن أحبَلَها ، ولاَ المَولودُ يَعلَمُ مَن أبوهُ ، ولا أرحامٌ مَوصولَةٌ ولا قَرابَةٌ مَعروفَةٌ . قالَ : فَلِمَ حَرَّمَ اللِّواطَ ؟ قالَ : مِن أجلِ أنَّهُ لَو كانَ إتيانُ الغُلامِ حَلالاً لاَستَغنَى الرِّجالُ عَنِ النِّساءِ وكانَ فيهِ قَطعُ النَّسلِ ، وتَعطيلُ الفُروجِ ، وكانَ في إجازَةِ ذلِكَ فَسادٌ كَثيرٌ . قالَ : فَلِمَ حَرَّمَ إتيانَ البَهيمَةِ ؟ قالَ : كَرِهَ أن يُضَيِّعَ الرَّجُلُ ماءَهُ ويَأتي غَيرَ شَكلِهِ ، ولَو أباحَ ذلِكَ لَرَبَطَ كُلُّ رَجُلٍ أتانا يَركَبُ ظَهرَها ويَغشى فَرجَها ، فَيَكونُ في ذلِكَ فَسادٌ كَثيرٌ فَأَباحَ ظُهورَها ، وحَرَّمَ عَلَيهِم فُروجَها ، وخَلَقَ لِلرِّجالِ النِّساءَ لِيَأنَسوا بِهِنَّ ويَسكُنوا إلَيهِنَّ ، ويَكُنَّ مَوضِعَ شَهَواتِهِم ، واُمَّهاتِ أولادِهِم . قالَ : فَما عِلَّةُ الغُسلِ مِنَ الجَنابَةِ ، وإنَّما أتى حَلالاً ولَيسَ فِي الحَلالِ تَدنيسٌ ؟ قالَ عليه السلام : إنَّ الجَنابَةَ بِمَنزِلَةِ الحَيضِ ، وذلِكَ أنَّ النُّطفَةَ دَمٌ لَم يُستَحكَم ولا يَكونُ الجِماعُ إلاّ بِحَرَكَةٍ شَديدَةٍ وشَهوَةٍ غالِبَةٍ ، فَإِذا فَرَّغَ [ الرَّجُلُ ] تَنَفَّسَ البَدَنُ ووَجَدَ الرَّجُلُ مِن نَفسِهِ رائِحَةً كَريهَةً ، فَوَجَبَ الغُسلُ لِذلِكَ ، وغُسلُ الجَنابَةِ مَعَ ذلِكَ أمانَةٌ ائتَمَنَ اللّه ُ عَلَيها عَبيدَهُ لِيَختَبِرَهُم بِها . [١١] . . قالَ : فَمَن قالَ بِالطَّبائِعِ ؟ قالَ : القَدَرِيَّةُ ، فَذلِكَ قَولُ مَن لَم يَملِكِ البَقاءَ ، ولا صَرفَ الحَوادِثِ ؛ وغَيَّرَتهُ الأَيّامُ وَاللَّيالي ، لا يَرُدُّ الهَرَمَ ، ولا يَدفَعُ الأَجَلَ ، ما يَدري ما يُصنَعُ بِهِ . قالَ : فَأَخبِرني عَمَّن زَعَمَ أنَّ الخَلقَ لَم يَزَل يَتَناسَلونَ ويَتَوالَدونَ ويَذهَبُ قَرنٌ ويَجيءُ قَرنٌ ، تُفنيهِمُ الأَمراضُ وَالأَعراضُ وصُنوفُ الآفاتِ ، ويُخبِرُكَ الآخِرُ عَنِ الأَوَّلِ ، ويُنَبِّئُكَ الخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ ، وَالقُرونُ عَنِ القُرونِ ، أنَّهُم وَجَدُوا الخَلقَ عَلى هذَا الوَصفِ بِمَنزِلَةِ الشَّجَرِ وَالنَّباتِ ، في كُلِّ دَهرٍ يَخرُجُ مِنهُ حَكيمٌ عَليمٌ بِمَصلَحَةِ النّاسِ ، بَصيرٌ بِتَأليفِ الكَلامِ ، ويُصَنِّفُ كِتابا قَد حَبَّرَهُ بِفِطنَتِهِ ، وحَسَّنَهُ بِحِكمَتِهِ ، قَد جَعَلَهُ حاجِزا بَينَ النّاسِ ، يَأمُرُهُم بِالخَيرِ ويَحُثُّهُم عَلَيهِ ، ويَنهاهُم عَنِ السّوءِ وَالفَسادِ ويَزجُرُهُم عَنهُ ، لِئَلاّ يَتَهارَشوا [١٢] ، ولا يَقتُلُ بَعضُهُم بَعضا ؟ قالَ عليه السلام : وَيحَكَ! إنَّ مَن خَرَجَ مِن بَطنِ اُمِّهِ أمسِ ، ويَرحَلُ عَنِ الدُّنيا غَدا لا عِلمَ لَهُ بِما كانَ قَبلَهُ ولا ما يَكونُ بَعدَهُ ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَخلُو الإِنسانُ مِن أن يَكونَ خَلَقَ نَفسَهُ أو خَلَقَهُ غَيرُهُ ، أو لَم يَزَل مَوجودا ، فَما لَيسَ بِشَيءٍ لا يَقدِرُ أن يَخلُقَ شَيئا وهُوَ لَيسَ بِشَيءٍ ، وكَذلِكَ ما لَم يَكُن فَيَكونُ شَيئا ، يُسأَلُ فَلا يَعلَمُ كَيفَ كانَ ابتِداؤُهُ . ولَو كانَ الإِنسانُ أزَلِيّا لَم تَحدُث فيهِ الحَوادِثُ ، لِأَنَّ الأَزَلِيَّ لا تُغَيِّرُهُ الأَيَّامُ ، ولا يَأتي عَلَيهِ الفَناءُ ، مَعَ أنّا لَم نَجِد بِناءً مِن غَيرِ بانٍ ، ولا أثَرا مِن غَيرِ مُؤَثِّرٍ ، ولا تَأليفا مِن غَيرِ مُؤَلِّفٍ ، فَمَن زَعَمَ أنّ أباهُ خَلَقَهُ ، قيلَ : فَمَن خَلَقَ أباهُ ؟ ولَو أنَّ الأَبَ هُوَ الَّذي خَلَقَ ابنَهُ لَخَلَقَهُ عَلى شَهوَتِهِ ، وصَوَّرَهُ عَلى مَحَبَّتِهِ ولَمَلَكَ حَياتَهُ ، ولَجازَ فيهِ حُكمُهُ ، ولكِنَّهُ إن مَرِضَ فَلَم يَنفَعهُ ، وإن ماتَ فَعَجَزَ عَن رَدِّهِ ، إنَّ مَنِ استَطاعَ أن يَخلُقَ خَلقا ويَنفُخَ فيهِ روحا حَتّى يَمشِيَ عَلى رِجلَيهِ سَوِيّا يَقدِرُ أن يَدفَعَ عَنهُ الفَسادَ . قالَ : فَما تَقولُ في عِلمِ النُّجومِ ؟ [١٣] قالَ : هُوَ عِلمٌ قَلّتَ مَنافِعُهُ ، وكَثُرَت مَضَرّاتُهُ ، لِأَ نَّهُ لا يُدفَعُ بِهِ المَقدورُ ولا يُتَّقى بِهِ المَحذورُ ، إن أخبَرَ المُنَجِّمُ بِالبَلاءِ لَم يَنجَهُ التَّحَرُّزُ مِنَ القَضاءِ ، وإن أخبَرَ هُوَ بِخَيرٍ لَم يَستَطِع تَعجيلَهُ ، وإن حَدَثَ بِهِ سوءٌ لَم يُمكِنهُ صَرفُهُ ، والمُنَجِّمُ يُضادُّ اللّه َ في عِلمِهِ ، بِزَعمِهِ أنَّهُ يَرُدُّ قَضاءَ اللّه ِ عَن خَلقِهِ . قالَ : فَالرَّسولُ أفضَلُ أمِ المَلَكُ المُرسَلُ إلَيهِ ؟ قالَ : بَلِ الرَّسولُ أفضَلُ . قالَ : فَما عِلَّةُ المَلائِكَةِ المُوَكَّلينَ بِعِبادِهِ ، يَكتُبونَ ما عَلَيهِم ولَهُم ، واللّه ُ تَعالى عالِمُ السِّرِّ وما هُوَ أخفى ؟ قالَ : اِستَعبَدَهُم بِذلِكَ وَجعَلَهُم شُهودا عَلى خَلقِهِ ، لِيَكونَ العِبادُ لِمُلازَمَتِهِم إيّاهم أشَدَّ عَلى طاعَةِ اللّه ِ مُواظَبَةً ، وعَن مَعصِيَتِهِ أشَدَّ انقِباضا ، وكَم مِن عَبدٍ يَهِمُّ بِمَعصِيَةٍ فَذَكَرَ مَكانَهُما فَارعَوى [١٤] وكَفَّ ، فَيَقولُ : رَبّي يَراني ، وحَفَظَتي عَلَيَّ بِذلِكَ تَشهَدُ ، وإنَّ اللّه َ بِرَأفَتِهِ ولُطفِهِ أيضا وَكَّلَهُم بِعِبادِهِ ، يَذُبّونَ عَنهُم مَرَدَةَ الشَّيطانِ وهَوامَّ الأَرضِ ، و��فاتٍ كَثيرَةً مِن حَيثُ لا يَرَونَ بِإِذنِ اللّه ِ إلى أن يَجيءَ أمرُ اللّه ُ عَزَّوجَلَّ . قالَ : فَخَلَقَ الخَلقَ لِلرَّحمَةِ أم لِلعَذابِ ؟ قالَ : خَلَقَهُم لِلرَّحمَةِ ، وكانَ في عِلمِهِ قَبلَ خَلقِهِ إيّاهُم ، أنَّ قَوما مِنهُم يَصيرونَ إلى عَذابِهِ بِأَعمالِهِمُ الرَّديَّةِ وجَحدِهِم بِهِ . قالَ : يُعَذِّبُ مَن أنكَرَ فَاستَوجَبَ عَذابَهُ بِإِنكارِهِ [ مَن خَلَقَهُ ] فَبِمَ يُعَذِّبُ مَن وَحَّدَهُ وعَرَفَهُ ؟ قالَ : يُعَذِّبُ المُنكِرَ لاِءِلهِيَّتِهِ عَذابَ الأَبَدِ ، ويُعَذِّبُ المُقِرَّ بِهِ عَذابَ عُقوبَةٍ لِمَعصِيَتِهِ إيّاهُ فيما فَرَضَ عَلَيهِ ، ثُمَّ يَخرُج ، ولا يَظلِمُ رَبُّكَ أحَدا . قالَ : فَبَينَ الكُفرِ والإِيمانِ مَنزِلَةٌ ؟ قالَ عليه السلام : لا . قالَ : فَمَا الإِيمانُ ومَا الكُفرُ ؟ قالَ عليه السلام : الإِيمانُ : أن يُصَدِّقَ اللّه َ فيما غابَ عَنهُ عَن عَظَمَةِ اللّه ِ ، كَتَصديقِهِ بِما شاهَدَ مِن ذلِكَ وعايَنَ ، وَالكُفرُ : الجُحودُ . قالَ : فَمَا الشِّركُ ومَا الشَّكُّ ؟ قالَ عليه السلام : الشِّركُ هُوَ أن يُضَمَّ إلَى الواحِدِ الَّذي لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ آخَرُ ، وَالشَّكُّ ما لَم يَعتَقِد قَلبُهُ شَيئا . قالَ : أفَيَكونُ العالِمُ جاهِلاً ؟ قالَ عليه السلام : عالِمٌ بِما يَعلَمُ ، وجاهِلٌ بما يَجهَلُ . قالَ : فَمَا السَّعادَةُ ومَا الشَّقاوَةُ ؟ قالَ : السَّعادَةُ : سَببُ خَيرٍ ، تَمَسَّكَ بِهِ السَّعيدُ فَيَجُرُّهُ إلَى النَّجاةِ ، وَالشَّقاوَةُ : سَبَبُ خِذلانٍ ، تَمَسَّكَ بِهِ الشَّقِيُّ فَيَجُرُّهُ إلَى الهَلَكَةِ ، وكُلٌّ بِعِلمِ اللّه ِ . قالَ : أخبِرني عَنِ السِّراجِ إذَا انطَفى أينَ يَذهَبُ نورُهُ ؟ قالَ عليه السلام : يَذهَبُ فَلا يَعودُ . قالَ : فَما أنكَرتَ أن يَكونَ الإِنسانُ مِثلَ ذلِكَ إذا ماتَ وفارَقَ الرّوحُ البَدَنَ لَم يَرجِع إلَيهِ أبَدا كَما لا يَرجِعُ ضَوءُ السِّراجِ إلَيهِ أبَدا إذَا انطَفى ؟ قالَ : لَم تُصِبِ القِياسَ ، إنَّ النّارَ فِي الأَجسامِ كامِنَةٌ ، وَالأَجسامُ قائِمَةٌ بِأَعيانِها كَالحَجَرِ وَالحَديدِ ، فَإِذا ضُرِبَ أحَدُهُما بالآخَرِ سَطَعَت مِن بَينِهِما نارٌ ، يُقتَبَسُ مِنها سِراجٌ لَهُ ضَوءٌ ، فَالنّارُ ثابِتَةٌ في أجسامِها وَالضّوءُ ذاهِبٌ ، وَالرّوحُ : جِسمٌ رَقيقٌ قَد اُلبِسَ قالَبا كَثيفا ، ولَيسَ بِمَنزِلَةِ السِّراجِ الَّذي ذَكَرتَ . إنَّ الَّذي خَلَقَ فِي الرَّحِمِ جَنينا مِن ماءٍ صافٍ ، ورَكَّبَ فيهِ ضُروبا مُختَلِفَةً مِن عُروقٍ وعَصَبٍ وأسنانٍ وشَعرٍ وعِظامٍ وغَيرِ ذلِكَ ، وهُوَ يُحِييهِ بَعدَ مَوتِهِ ، ويُعيدُهُ بَعدَ فَنائِهِ . قالَ : فَأَخبِرني عَنِ الرّوحِ أغيرُ الدَّمِ ؟ قالَ : نَعَم ، الرّوحُ عَلى ما وَصَفتُ لَكَ : مادَّتُها مِنَ الدَّمِ ، ومِنَ الدَّمِ رُطوبَةُ الجِسمِ وصَفاءُ اللَّونِ وحُسنُ الصَّوتِ ، وكَثرَةُ الضِّحكِ ، فَإِذا جَمَدَ الدَّمُ فارَقَ الرّوحُ البَدَنَ . . . قالَ : أفَيَتَلاشَى الرّوحُ بَعدَ خُروجِهِ عَن قالَبِهِ أم هُوَ باقٍ ؟ قالَ : بَل هُوَ باقٍ إلى وَقتِ يُنفَخُ فِي الصّورِ ، فَعِندَ ذلِكَ تَبطُلُ الأَشياءُ وتَفنى ، فَلا حِسَّ ولا مَحسوسَ ، ثُمَّ اُعيدَتِ الأَشياءُ كَما بَدَأَها مُدَبِّرُها ، وذلِكَ أربَعُمِائَةِ سَنَةٍ يُسْبَتُ [١٥] فيهَا الخَلقُ وذلِكَ بَينَ النَّفخَتَينِ . قالَ : وأنّى لَهُ بِالبَعثِ ، وَالبَدَنُ قَد بَلِيَ ، وَالأَعضاءُ قَد تَفَرَّقَت ، فَعُضوٌ بِبَلدَةٍ يَأكُلُها سِباعُها ، وعُضوٌ بِاُخرى تُمَزِّقُهُ هَوامُّها ، وعُضوٌ قَد صارَ تُرابا بُنِيَ بِهِ مَعَ الطّينِ حائِطٌ ؟! قالَ عليه السلام : إنَّ الَّذي أنشَأَهُ مِن غَيرِ شَيءٍ ، وصَوَّرَهُ عَلى غَيرِ مِثالٍ كانَ سَبَقَ إلَيهِ ، قادِرٌ أن يُعيدَهُ كَما بَدَأَهُ . قالَ : أوضِح لي ذلِكَ! قالَ : إنَّ الرّوحَ مُقيمَةٌ في مَكانِها . روحُ المُحسِنِ في ضِياءٍ وفُسحَةٍ ، وروحُ المُسيءِ في ضيقٍ وظُلمَةٍ ، وَالبَدَنُ يَصيرُ تُرابا كَما مِنهُ خُلِقَ ، وما تَقذِفُ بِهِ السِّباعُ وَالهَوامُّ مِن أجوافِها مِمّا أكَلَتهُ ومَزَّقَتهُ كُلُّ ذلِكَ فِي التُّرابِ مَحفوظٌ عِندَ مَن لا يَعزُبُ عَنهُ مِثقالُ ذَرَّةٍ في ظُلُماتِ الأَرضِ ، ويَعلَمُ عَدَدَ الأَشياءِ ووَزنَها ؛ وإنَّ تُرابَ الرّوحانِيِّينَ بِمَنزِلَةِ الذَّهَبِ فِي التُّرابِ ، فَإِذا كانَ حينَ البَعثِ مُطِرَتِ الأَرضُ مَطَرَ النُّشورِ ، فَتَربُو الأَرضُ ثُمَّ تَمَخَّضوا مَخضَ [١٦] السِّقاءِ ، فَيَصيرُ تُرابُ البَشَرِ كَمَصيرِ الذَّهَبِ مِنَ التُّرابِ إذا غُسِلَ بِالماءِ ، وَالزَّبَدِ مِنَ اللَّبَنِ إذا مُخِضَ ، فَيَجتَمِعُ تُرابُ كُلِّ قالَبٍ إلى قالَبِهِ ، فَيَنتَقِلُ بِإِذنِ اللّه ِ القادِرِ إلى حَيثُ الرَّوح ، فَتَعودُ الصُّوَرُ بِإِذنِ المُصَوِّرِ كَهَيئَتِها ، وتَلِجُ الرّوحُ فيها ، فَإِذا قَدِ استَوى لا يُنكِرُ مِن نَفسِهِ شَيئا . قالَ : فَأَخبِرني عَنِ النّاسِ يُحشَرونَ يَومَ القِيامَةِ عُراةً ؟ قالَ عليه السلام : بَل يُحشَرونَ في أكفانِهِم . قالَ : أنّى لَهُم بِالأَكفانِ وقَد بَلِيَت ؟! قالَ عليه السلام : إنَّ الَّذي أحيا أبدانَهُم جَدَّدَ أكفانَهُم . قالَ : فَمَن ماتَ بِلا كَفَنٍ ؟ قالَ عليه السلام : يَستُرُ اللّه ُ عَورَتَهُ بِما يَشاءُ مِن عِندِهِ . قالَ : أفَيَعرِضونَ صُفوفا ؟ قالَ عليه السلام : نَعَم ، هُم يَومَئِذٍ عِشرونَ ومِائَةُ ألفِ صَفٍّ في عَرضِ الأَرضِ . قالَ : أوَ لَيسَ توزَنُ الأَعمالُ ؟ قالَ عليه السلام : لا . إنَّ الأَعمالَ لَيسَت بِأَجسامٍ ، وإنَّما هِيَ صِفَةُ ما عَمِلوا ، وإنّما يَحتاجُ إلى وَزنِ الشَّيءِ مَن جَهِلَ عَدَدَ الأَشياءِ ، ولا يَعرِفُ ثِقلَها وخِفَّتَها ، وإنَّ اللّه َ لا يَخفى عَلَيهِ شَيءٌ . قالَ : فَما مَعنَى الميزانِ ؟ قالَ عليه السلام : العَدلُ . قالَ : فَما مَعناهُ في كِتابِهِ : « فَمَن ثَقُلَتْ مَوَ زِينُهُ [١٧] ؟» قالَ عليه السلام : فَمَن رَجَحَ عَمَلُهُ . قالَ : فَأَخبِرني أوَ لَيسَ فِي النّارِ مُقنعٌ أن يُعَذِّبَ خَلقَهُ بِها دونَ الحَيّاتِ وَالعَقارِبِ ؟ قالَ عليه السلام : إنَّما يُعَذِّبُ بِها قَوما زَعَموا أنَّها لَيسَت مِن خَلقِهِ . إنَّما شَريكُهُ الَّذي يَخلُقُهُ ، فَيُسَلِّطُ اللّه ُ عَلَيهِمُ العَقارِبَ وَالحَيّاتِ فِي النّارِ ، لِيُذيقَهُم بِها وبالَ ما كَذَبوا عَلَيهِ فَجَحَدوا أن يَكونَ صَنَعَهُ . قالَ : فَمِن أينَ قالوا : إنَّ أهلَ الجَنَّةِ يَأتِي الرَّجُلُ مِنهُم إلى ثَمَرَةٍ يَتَناوَلُها ، فَإِذا أكَلَها عادَت كَهَيئَتِها ؟ قالَ عليه السلام : نَعَم ، ذلِكَ عَلى قِياسِ السِّراجِ ، يَأتي القابِسُ فَيَقتَبِسُ مِنهُ ، فَلا يَنقُصُ مِن ضَوئِهِ شَيءٌ ، وقَدِ امتَلَتِ الدُّنيا مِنهُ سِراجا . قالَ : أ لَيسوا يَأكُلونَ ويَشرَبونَ ، وتَزعُمُ أنَّهُ لا يَكونُ لَهُمُ الحاجَةُ ؟ قالَ عليه السلام : بَلى ؛ لِأَنَّ غِذاءَهُم رَقيقٌ لا ثِقلَ لَهُ ، بَل يَخرُجُ مِن أجسادِهِم بِالعَرَقِ . [١٨]
[١] جاءت في معنى ومصداق كلمة الزِّنديق آراء متعدّدة ؛ من جملتها الدهري ، والثنوي ، والمانوي . والوجه الجامع للمعاني المذكورة هو إنكار الدِين أو الإسلام . للاطّلاع على مزيدٍ من التفاصيل حول أصل هذه الكلمة ومعانيها ، (تاج العروس : ١٣ / ٢٠١ ، لسان العرب : ١٠ / ١٤٧) .[٢] الشَّبُّ : دواء معروف ، وقيل : الشبُّ شيء يشبه الزاج (لسان العرب : ١ / ٤٨٣) .[٣] الغُرْلَةُ : مثلُ القُلفَةِ وزنا ومعنىً ، وغَرِلَ غَرَلاً : إذا لم يختن (المصباح المنير : ٤٤٦) .[٤] غافر : ٦٠ .[٥] ١ و . البقرة : ٢٥٩ .[٦] هذه القصّة مشهورة ، انظر تفسير القمّي : ١/٨٠ ، وتفسير العيّاشي : ١ / ١٣٠ / ٤٣٣ .[٧] النساء : ١٥٣ .[٨] المَرْجُ : الموضع تَرعى فيه الدوابّ ، وإرسالها للرعي ، والخلط (القاموس المحيط : ١/٢٠٧) .[٩] أصحاب «ماني» يسمّون : المانويّة ، وهم أصحاب ماني بن فاتك الحكيم ، الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير ، وقتله بهرام بن هرمز بن سابور ، وذلك بعد عيسى بن مريم عليه السلام ، أحدث دينا بين المجوسيّة والنصرانيّة . . . وزعم أنّ العالم مصنوع مركّب من أصلين قديمين ، أحدهما نور والآخر ظلمة ، وأنّهما أزليّان لم يزالا ولن يزالا . . . (انظر الملل والنحل للشهرستاني : ١ / ٢٤٤) .[١٠] انظر المناقب لابن شهرآشوب : ٤/٢٦٤ .[١١] التهريش : التحريش بين الكلاب ، والإفساد بين الناس ، والمهارشة : تحريش بعضها على بعض (القاموس المحيط : ٢ / ٢٩٣) .[١٢] يتبيّن من التأمّل في متن الحديث ونظائره أنّ المقصود من علم النجوم في هذه الأحاديث ، ليس العلم بمفهومه المعاصر ، بل المقصود هو التعرّف على تأثير النجوم في مصير الإنسان ، والتنبّؤ بحوادث المستقبل عن طريق المطالعة في سير الكواكب مطلقا ، أو على أنّها مؤثّرات .[١٣] رعا يرعو : كفّ عن الأمر ، وقد ارعَوَى عن القبيح : ارتدع (مجمع البحرين : ٢ / ٧١٢) .[١٤] سُبِتَ بالبناء للمفعول : غُشي عليه ، وأيضا مات (المصباح المنير : ٢٦٢) .[١٥] مَخَضَ اللبَنَ يَمخِضُهُ : أخذ زُبدَهُ (القاموس المحيط : ٢ / ٣٤٣) .[١٦] المؤمنون : ١٠٢ .[١٧] الاحتجاج : ٢ / ٢١٢ ـ ٢٤٨ / ٢٢٣ ، بحار الأنوار : ١٠ / ١٦٤ / ٢ .