گفتگوي تمدن ها
 
٧ ص
٨ ص
٩ ص
١٠ ص
١١ ص
١٢ ص
١٣ ص
١٤ ص
١٥ ص
١٦ ص
١٧ ص
١٨ ص
١٩ ص
٢٠ ص
٢١ ص
٢٢ ص
٢٣ ص
٢٤ ص
٢٥ ص
٢٦ ص
٢٧ ص
٢٨ ص
٢٩ ص
٣٠ ص
٣١ ص
٣٢ ص
٣٣ ص
٣٤ ص
٣٥ ص
٣٦ ص
٣٧ ص
٣٨ ص
٣٩ ص
٤٠ ص
٤١ ص
٤٢ ص
٤٣ ص
٤٤ ص
٤٥ ص
٤٦ ص
٤٧ ص
٤٨ ص
٤٩ ص
٥٠ ص
٥١ ص
٥٢ ص
٥٣ ص
٥٤ ص
٥٥ ص
٥٦ ص
٥٧ ص
٥٨ ص
٥٩ ص
٦٠ ص
٦١ ص
٦٢ ص
٦٣ ص
٦٤ ص
٦٥ ص
٦٦ ص
٦٧ ص
٦٨ ص
٦٩ ص
٧٠ ص
٧١ ص
٧٢ ص
٧٣ ص
٧٤ ص
٧٥ ص
٧٦ ص
٧٧ ص
٧٨ ص
٧٩ ص
٨٠ ص
٨١ ص
٨٢ ص
٨٣ ص
٨٤ ص
٨٥ ص
٨٦ ص
٨٧ ص
٨٨ ص
٨٩ ص
٩٠ ص
٩١ ص
٩٢ ص
٩٣ ص
٩٤ ص
٩٥ ص
٩٦ ص
٩٧ ص
٩٨ ص
٩٩ ص
١٠٠ ص
١٠١ ص
١٠٢ ص
١٠٣ ص
١٠٤ ص
١٠٥ ص
١٠٦ ص
١٠٧ ص
١٠٨ ص
١٠٩ ص
١١٠ ص
١١١ ص
١١٢ ص
١١٣ ص
١١٤ ص
١١٥ ص
١١٦ ص
١١٧ ص
١١٨ ص
١١٩ ص
١٢٠ ص
١٢١ ص
١٢٢ ص
١٢٣ ص
١٢٤ ص
١٢٥ ص
١٢٦ ص
١٢٧ ص
١٢٨ ص
١٢٩ ص
١٣٠ ص
١٣١ ص
١٣٢ ص
١٣٣ ص
١٣٤ ص
١٣٥ ص
١٣٦ ص
١٣٧ ص
١٣٨ ص
١٣٩ ص
١٤٠ ص
١٤١ ص
١٤٢ ص
١٤٣ ص
١٤٤ ص
١٤٥ ص
١٤٦ ص
١٤٧ ص
١٤٨ ص
١٤٩ ص
١٥٠ ص
١٥١ ص
١٥٢ ص
١٥٣ ص
١٥٤ ص
١٥٥ ص
١٥٦ ص
١٥٧ ص
١٥٨ ص
١٥٩ ص
١٦٠ ص
١٦١ ص
١٦٢ ص
١٦٣ ص
١٦٤ ص
١٦٥ ص
١٦٦ ص
١٦٧ ص
١٦٨ ص
١٦٩ ص
١٧٠ ص
١٧١ ص
١٧٢ ص
١٧٣ ص
١٧٤ ص
١٧٥ ص
١٧٦ ص
١٧٧ ص
١٧٨ ص
١٧٩ ص
١٨٠ ص
١٨١ ص
١٨٢ ص
١٨٣ ص
١٨٤ ص
١٨٥ ص
١٨٦ ص
١٨٧ ص
١٨٨ ص
١٨٩ ص
١٩٠ ص
١٩١ ص
١٩٢ ص
١٩٣ ص
١٩٤ ص
١٩٥ ص
١٩٦ ص
١٩٧ ص
١٩٨ ص
١٩٩ ص
٢٠٠ ص
٢٠١ ص
٢٠٢ ص
٢٠٣ ص
٢٠٤ ص
٢٠٥ ص
٢٠٦ ص
٢٠٧ ص
٢٠٨ ص
٢٠٩ ص
٢١٠ ص
٢١١ ص
٢١٢ ص
٢١٣ ص
٢١٤ ص
٢١٥ ص
٢١٦ ص
٢١٧ ص
٢١٨ ص
٢١٩ ص
٢٢٠ ص
٢٢١ ص
٢٢٢ ص
٢٢٣ ص
٢٢٤ ص
٢٢٥ ص
٢٢٦ ص
٢٢٧ ص
٢٢٨ ص
٢٢٩ ص
٢٣٠ ص
٢٣١ ص
٢٣٢ ص
٢٣٣ ص
٢٣٤ ص
٢٣٥ ص
٢٣٦ ص
٢٣٧ ص
٢٣٨ ص
٢٣٩ ص
٢٤٠ ص
٢٤١ ص
٢٤٢ ص
٢٤٣ ص
٢٤٤ ص
٢٤٥ ص
٢٤٦ ص
٢٤٧ ص
٢٤٨ ص
٢٤٩ ص
٢٥٠ ص
٢٥١ ص
٢٥٢ ص
٢٥٣ ص
٢٥٤ ص
٢٥٥ ص
٢٥٦ ص
٢٥٧ ص
٢٥٨ ص
٢٥٩ ص
٢٦٠ ص
٢٦١ ص
٢٦٢ ص
٢٦٣ ص
٢٦٤ ص
٢٦٥ ص
٢٦٦ ص
٢٦٧ ص
٢٦٨ ص
٢٦٩ ص
٢٧٠ ص
٢٧١ ص
٢٧٢ ص
٢٧٣ ص
٢٧٤ ص
٢٧٥ ص
٢٧٦ ص
٢٧٧ ص
٢٧٨ ص
٢٧٩ ص
٢٨٠ ص
٢٨١ ص
٢٨٢ ص
٢٨٣ ص
٢٨٤ ص
٢٨٥ ص
٢٨٦ ص
٢٨٧ ص
٢٨٨ ص
٢٨٩ ص
٢٩٠ ص
٢٩١ ص
٢٩٢ ص
٢٩٣ ص
٢٩٤ ص
٢٩٥ ص
٢٩٦ ص
٢٩٧ ص
٢٩٨ ص
٢٩٩ ص
٣٠٠ ص
٣٠١ ص
٣٠٢ ص
٣٠٣ ص
٣٠٤ ص
٣٠٥ ص
٣٠٦ ص
٣٠٧ ص
٣٠٨ ص
٣٠٩ ص
٣١٠ ص
٣١١ ص
٣١٢ ص
٣١٣ ص
٣١٤ ص
٣١٥ ص
٣١٦ ص
٣١٧ ص
٣١٨ ص
٣١٩ ص
٣٢٠ ص
٣٢١ ص
٣٢٢ ص
٣٢٣ ص
٣٢٤ ص
٣٢٥ ص
٣٢٦ ص
٣٢٧ ص
٣٢٨ ص
٣٢٩ ص
٣٣٠ ص
٣٣١ ص
٣٣٢ ص
٣٣٣ ص
٣٣٤ ص
٣٣٥ ص
٣٣٦ ص
٣٣٧ ص
٣٣٨ ص
٣٣٩ ص
٣٤٠ ص
٣٤١ ص
٣٤٢ ص
٣٤٣ ص
٣٤٤ ص
٣٤٥ ص
٣٤٦ ص
٣٤٧ ص
٣٤٨ ص
٣٤٩ ص
٣٥٠ ص
٣٥١ ص
٣٥٢ ص
٣٥٣ ص
٣٥٤ ص
٣٥٥ ص
٣٥٦ ص

گفتگوي تمدن ها - محمدی ری‌شهری، محمد - الصفحة ١٤٤

٥ / ٢

نَماذِجُ مِن حِواراتِ خاتَمِ الأَنبِياءِ

١٤٤.الإمام الصادق عليه السلام : لَقَد حَدَّثَني أبي الباقِرُ عليه السلام ، عَن جَدّي عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ ، عَن أبيهِ الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ سَيِّدِالشُّهَداءِ ، عَن أبيهِ أميرِالمُؤمِنينَ عليهم السلام أنَّهُ اجتَمَعَ يَوما عِندَ رَسولِ اللّه ِ صلى الله عليه و آلهأهلُ خَمسَةِ أديانٍ : اليَهودُ ، وَالنَّصارى ، وَالدَّهرِيَّةُ ، وَالثَّنَوِيَّةُ ، ومُشرِكُو العَرَبِ . فَقالَتِ اليَهودُ : نَحنُ نَقولُ : عُزَيرٌ ابنُ اللّه ِ ، وقَد جِئناكَ يا مُحَمَّدُ ! لِنَنظُرَ ما تَقولُ ؟ فَإِنِ اتَّبَعتَنا فَنَحنُ أسبَقُ إلَى الصَّوابِ مِنكَ وأفضَلُ ، وإن خالَفتَنا خَصَمناكَ . وقالَتِ النَّصارى : نَحنُ نَقولُ : إنَّ المَسيحَ ابنُ اللّه ِ ، اِتَّحَدَ بِهِ ، وقَد جِئناكَ لِنَنظُرَ ما تَقولُ ، فَإِنِ اتَّبَعتَنا فَنَحنُ أسبَقُ إلَى الصَّوابِ مِنكَ وأفضَلُ ، وإن خالَفتَنا خَصَمناكَ . وقالَتِ الدَّهرِيَّةُ : نَحنُ نَقولُ : الأَشياءُ لا بُدءَ لَها وهِيَ دائِمَةٌ ، وقَد جِئناكَ لِنَنظُرَ فيما تَقولُ ، فَإِنِ اتَّبَعتَنا فَنَحنُ أسبَقُ إلَى الصَّوابِ مِنكَ وأفضَلُ ، وإن خالَفتَنا خَصَمناكَ . وقالَتِ الثَّنَوِيَّةُ : نَحنُ نَقولُ : إنَّ النّورَ وَالظُّلمَةَ هُمَا المُدَبِّرانِ ، وقَدجِئناكَ لِنَنظُرَ فيما تَقولُ ، فَإِنِ اتَّبَعتَنا فَنَحنُ أسبَقُ إلَى الصَّوابِ مِنكَ ، وإن خالَفتَنا خَصَمناكَ . وقالَ مُشرِكُو العَرَبِ : نَحنُ نَقولُ : إنَّ أوثانَنا آلِهَةٌ ، وقَدجِئناكَ لِنَنظُرَ فيما تَقولُ ، فَإِنِ اتَّبَعتَنا فَنَحنُ أسبَقُ إلَى الصَّوابِ مِنكَ وأفضَلُ ، وإن خالَفتَنا خَصَمناكَ . فَقالَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله : آمَنتُ بِاللّه ِ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ ، وكَفَرتُ بِالجِبتِ وَالطّاغوتِ ، وبِكُلِّ مَعبودٍ سِواهُ . ثُمَّ قالَ لَهُم : إنَّ اللّه َ تَعالى قَد بَعَثَني كافَّةً لِلنّاسِ بَشيرا ، ونَذيرا ، وحُجَّةً عَلَى العالَمينَ ، وسَيَرُدُّ كَيدَ مَن يَكيدُ دينَهُ في نَحرِهِ . ثُمَّ قالَ لِليَهودِ : أجِئتُموني لِأَقبَلَ قَولَكُم بِغَيرِ حُجَّةٍ ؟ قالوا : لا . قالَ : فَمَا الَّذي دَعاكم إلَى القَولِ بِأَنَّ عُزَيرا اِبنُ اللّه ِ ؟ قالوا : لِأَ نَّهُ أحيى لِبَني إسرائيلَ التَّوراةَ بَعدَ ما ذَهَبَت ، ولَم يَفعَل بِها هذا إلاّ لِأَ نَّهُ ابنُهُ . فَقالَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله : فَكَيفَ صارَ عُزَيرٌ ابنَ اللّه ِ دونَ موسى ، وهُوَ الَّذي جاءَهُم بِالتَّوراةِ ورُئِيَ مِنهُ مِنَ المُعجِزاتِ ما قَد عَلِمتُم ؟ ولَئِن كانَ عُزَيرٌ ابنَ اللّه ِ ، لِما ظَهَرَ مِن إكرامِهِ بِإِحياءِ التَّوراةِ ، فَلَقد كانَ موسى بِالبُّنُوَّةِ أولى وأحَقَّ ، ولَئِن كانَ هذَا المِقدارُ مِن إكرامِهِ لِعُزَيرٍ يوجِبُ لَهُ أنَّهُ ابنُهُ ، فَأضعافُ هذِهِ الكَرامَةِ لِموسى توجِبُ لَهُ مَنزِلَةً أجَلَّ مِنَ البُنُوَّةِ ، لِأَنَّكُم إن كُنتُم إنَّما تُريدونَ بِالبُّنُوَّةِ الدَّلالَةَ عَلى سَبيلِ ما تُشاهِدونَهُ في دُنياكُم مِن وِلادَةِ الاُمَّهاتِ الأَولادَ بِوَطى ءِ آبائِهِم لَهُنَّ ، فَقَد كَفَرتُم بِاللّه ِ تَعالى وشَبَّهتُموهُ بِخَلقِهِ ، وأوجَبتُم فيهِ صِفاتَ المُحدَثينَ ، ووَجَبَ عِندَكُم أن يَكونَ مُحدَثا مَخلوقا ، وأن يَكونَ لَهُ خالِقٌ صَنَعَهُ وَابتَدَعَهُ . قالوا : لَسنا نَعني هذا ، فَإِنَّ هذا كُفرٌ كَما ذَكَرتَ ، ولكِنّا نَعني أنَّهُ ابنُهُ عَلى مَعنَى الكَرامَةِ ، وإن لَم يَكُن هُناكَ وِلادَةً ، كَما قَد يَقولُ بَعضُ عُلمائِنا لِمَن يُريدُ إكرامَهُ وإبانَتَهُ بِالمَنزِلَةِ مِن غَيرِهِ : «يا بُنَيَّ» ، و «إنَّهُ ابني» ، لا عَلى إثباتِ وِلادَتِهِ مِنهُ ؛ لِأَ نَّهُ قَد يَقولُ ذلِكَ لِمَن هُوَ أجنَبِيٌّ لا نَسَبَ لَهُ بَينَهُ وبَينَهُ ؛ وكَذلِكَ لَمّا فَعَلَ اللّه ُ تَعالى بِعُزَيرٍ مافَعَلَ ، كانَ قَدِ اتَّخَذَهُ ابنا عَلَى الكَرامَةِ لا عَلَى الوِلادَةِ . فَقالَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله : فَهذا ما قُلتُهُ لَكُم ، إنَّهُ إن وَجَبَ عَلى هذَا الوَجهِ أن يَكونَ عُزَيرٌ ابنَهُ ، فَإِنَّ هذِهِ المَنزِلَةَ لِموسى أولى ، وإنَّ اللّه َ تَعالى يَفضَحُ كُلَّ مُبطِلٍ بِإِقرارِهِ ويَقلِبُ عَلَيهِ حُجَّتَهُ ، إنَّ الَّذِي احتَجَجتُم بِهِ يُؤَدّيكُم إلى ما هُوَ أكبَرُ مِمّا ذَكَرتُهُ لَكُم ، لِأَنَّكُم قُلتُم : إنَّ عَظيما مِن عُظَمائِكُم قَد يَقولُ لِأَجنَبِيٍّ لا نَسَبَ بَينَهُ وبَينَهُ : «يا بُنَيَّ» ، و «هذَا ابني» ، لا عَلى طَريقِ الوِلادَةِ ، فَقَد تَجِدونَ أيضا هذَا العَظيمَ يَقولُ لِأَجنَبِيٍّ آخَرَ : «هذا أخي» ولاِخَرَ : «هذا شَيخي» و«أبي» ولاِخَرَ : «هذا سَيِّدي» و «يا سَيِّدي» ، عَلى سَبيلِ الإِكرامِ ، وإنَّ مَن زادَهُ فِي الكَرامَةِ زادَهُ في مِثلِ هذَا القَولِ ؛ فَإِذا يَجوزُ عِندَكُم أن يَكونَ موسى أخا للّه ِِ ، أو شَيخا لَهُ ، أو أبا ، أو سَيِّدا ؛ لِأَ نَّهُ قد زادَهُ فِي الإِكرامِ مِمّا لِعُزَيرٍ ، كَما أنَّ مَن زادَ رَجُلاً فِي الإِكرامِ فَقالَ لَهُ : «يا سَيّدي» و «يا شَيخي» و «يا عَمّي» و «يا رَئيسي» [و «يا أميري»]، عَلى طَريقِ الإِكرامِ، وإنَّ مَن زادَهُ فِي الكَرامَةِ زادَهُ في مِثلِ هذَا القَولِ . أفَيَجوزُ عِندَكُم أن يَكونَ موسى أخا للّه ِ ، أو شَيخا ، أو عَمّا ، أو رَئيسا ، أو سَيِّدا ، أو أميرا ؛ لِأَ نَّهُ قَد زادَهُ فِي الإِكرامِ عَلى مَن قالَ لَهُ : «يا شيخي» أو «يا سَيِّدي» أو «يا عَمّي» أو «يا رَئيسي» أو «يا أميري» ؟! قالَ : فَبُهِتَ القَومُ وتَحَيَّروا وقالوا : يا مُحَمَّدُ ! أجِّلنا نَتَفَكَّرُ فيما قَد قُلتَهُ لَنا . فَقالَ : اُنظروا فيهِ بِقُلوبِ مُعتَقِدَةٍ لِلإِنصافِ ، يَهدِكُمُ اللّه ُ تَعالى . ثُمَّ أقبَلَ صلى الله عليه و آله عَلَى النَّصارى ، فَقالَ لَهُم : وأنتُم قُلتُم : إنَّ القَديمَ عَزَّوجَلَّ اتَّحَدَ بِالمَسيحِ ابنِهِ ، فَمَا الَّذي أرَدتُموهُ بِهذَا القَولِ ؟ أرَدتُم أنَّ القَديمَ صارَ مُحدَثا لِوُجودِ هذَا المُحدَثِ الَّذي هُوَ عيسى ؟ أو المُحدَثُ ، الَّذي هُوَ عيسى ـ صارَ قَديما لِوُجودِ القَديمِ الَّذي هُوَ اللّه ُ ؟ أو مَعنى قَولِكُم : إنَّهُ اتَّحَدَ بِهِ ، أنَّهُ اختَصَّهُ بِكَرامَةٍ لَم يُكرِم بِها أحَدا سِواهُ ؟ فَإِن أرَدتُم أنَّ القَديمَ صارَ مُحدَثا فَقَد أبطَلتُم ، لِأَنَّ القَديمَ مُحالٌ أن يَنقَلِبَ فَيَصيرَ مُحدَثا، وإن أرَدتُم أنَّ المُحدَثَ صارَ قَديما فَقَد أحَلتُم، لِأَنَّ المُحدَثَ أيضا مُحالٌ أن يَصيرَ قَديما . وإن أرَدتُم أنَّهُ اتَّحَدَ بِهِ بِأَنَّهُ اختَصَّهُ وَاصطَفاهُ عَلى سائِرِ عِبادِهِ ، فَقَد أقرَرتُم بِحُدوثِ عيسى ، وبِحُدوثِ المَعنَى الَّذِي اتَّحَدَ بِهِ مِن أجلِهِ ، لِأَ نَّهُ إذا كانَ عيسى مُحدَثا وكانَ اللّه ُ اتَّحَدَ بِهِ ـ بِأَن أحدَثَ بِهِ مَعنًى صارَ بِهِ أكرَمَ الخَلقِ عِندَهُ ـ فَقَد صارَ عيسى وذلِكَ المَعنى مُحدَثَينِ ، وهذا خِلافُ ما بَدَأتُم تَقولونَهُ . قالَ : فَقالَتِ النَّصارى : يا مُحَمَّدُ ، إنَّ اللّه َ تَعالى لَمّا أظهَرَ عَلى يَدِ عيسى مِنَ الأَشياءِ العَجيبَةِ ما أظهَرَ ، فَقَدِ اتَّخَذَهُ وَلَدا عَلى جِهَةِ الكَرامَةِ . فَقالَ لَهُم رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله : فَقَد سَمِعتُم ما قُلتُهُ لِليَهودِ في هذَا المَعنَى الَّذي ذَكَرتُموهُ . ثُمَّ أعادَ صلى الله عليه و آله ذلِكَ كُلَّهُ ، فَسَكَتوا إلاّ رَجُلاً واحِدا مِنهُم فَقالَ لَهُ : يا مُحَمَّدُ! أوَلَستُم تَقولونَ : إنَّ إبراهيمَ خَليلُ اللّه ِ ؟ قالَ : قَد قُلنا ذلِكَ . فَقالَ : فَإِذا قُلتُم ذلِكَ فَلِمَ مَنَعتُمونا مِن أن نَقولَ: إنَّ عيسَى ابنُ اللّه ِ ؟ فَقالَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله : إنَّهُما لَن يَشتَبِها لِأَنَّ قَولَنا : إنَّ إبراهيمَ خَليلُ اللّه ِ ، فَإِنَّما هُوَ مُشتَقٌّ مِنَ الخَلَّةِ أوِ الخُلَّةِ . فَأَمَّا الخَلَّةُ فَإِنَّما مَعناهَا الفَقرُ والفاقَةُ ، فَقَد كانَ خَليلاً إلى رَبِّهِ فَقيرا [إلَى اللّه ِ] وإلَيهِ مُنقَطِعا ، وعَن غَيرِهِ مُتَعَفِّفا مُعرِضا مُستَغنِيا ، وذلِكَ لَمّا اُريدَ قَذفُهُ فِي النّارِ فَرُمِيَ بِهِ فِي المَنجَنيقِ فَبَعَثَ اللّه ُ تَعالى جَبرَئيلَ وقالَ لَهُ : أدرِك عَبدي ، فَجاءَهُ فَلَقِيَهُ فِي الهَواءِ ، فَقالَ : كَلِّفني ما بَدا لَكَ فَقَد بَعَثَنِي اللّه ُ لِنُصرَتِكَ . فَقالَ : بَل حَسبِيَ اللّه ُ ونِعمَ الوَكيلُ ، إنّي لا أسأَلُ غَيرَهُ ، ولا حاجَةَ لي إلاّ إلَيهِ ، فَسمّاهُ خَليلَهُ أي فَقيرَهُ ومُحتاجَهُ والمُنقَطِعَ إلَيهِ عَمَّن سِواهُ . وإذا جُعِلَ مَعنى ذلِكَ مِنَ الخُلَّةِ [العالِم] ، وهُوَ أنَّهُ قَد تَخَلَّلَ مَعانِيَهُ ، ووَقَفَ عَلى أسرارٍ لَم يَقِف عَلَيها غَيرُهُ ، كانَ مَعناهُ العالِمَ بِهِ وبِاُمورِهِ ، ولا يوجِبُ ذلِكَ تَشبيهَ اللّه ِ بِخَلقِهِ ، ألا تَرَونَ أنَّهُ إذا لَم يَنقَطِع إلَيهِ لَم يَكُن خَليلَهُ ؟ وإذا لَم يَعلَم بِأَسرارِهِ لَم يَكُن خَليلَهُ ؟ وأنَّ مَن يَلِدُهُ الرَّجُلُ وإن أهانَهُ وأقصاهُ لَم يَخرُج [بِهِ] عَن أن يَكونَ وَلَدَهُ ، لِأَنَّ مَعنَى الوِلادَةِ قائِمٌ بِهِ ؟ ثُمَّ إن وَجَبَ ـ لِأَ نَّهُ قالَ لاِءِبراهيمَ خَليلي ـ أن تَقيسوا أنتُم فَتَقولوا : إنَّ عيسى ابنُهُ ، وَجَبَ أيضا كَذلِكَ أن تَقولوا لِموسى إنَّهُ ابنُهُ ، فَإِنَّ الَّذي مَعَهُ مِنَ المُعجِزاتِ لَم يَكُن بِدونِ ما كانَ مَعَ عيسى ، فَقولوا : إنَّ موسى أيضا ابنُهُ ، وأن يَجوزَ أن تَقولوا عَلى هذَا المَعنى : إنَّهُ شَيخُهُ وسَيِّدُهُ وعَمُّهُ ورَئيسُهُ وأميرُهُ كَما قَد ذَكَرتُهُ لِليَهودِ . فَقالَ بَعضُهُم لِبَعضٍ : وفِي الكُتُبِ المُنزَلَةِ أنَّ عيسى قالَ : «أذهَبُ إلى أبي» . فَقالَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله : فَإِن كُنتُم بِذلِكَ الكِتابِ تَعمَلونَ فَإِنَّ فيهِ : «أذهَبُ إلى أبي وأبيكُم» فَقولوا : إنّ جَميعَ الَّذينَ خاطَبَهُم عيسى كانوا أبناءَ اللّه ِ ، كَما كانَ عيسَى ابنَهُ مِنَ الوَجهِ الَّذي كانَ عيسَى ابنَهُ ، ثُمَّ إنَّ ما في هذَا الكِتابِ يُبطِلُ عَلَيكُم هذَا الَّذي زَعَمتُم أنَّ عيسى مِن جِهَةِ الاِختِصاصِ كانَ ابنا لَهُ ، لِأَنَّكُم قُلتُم : إنَّما قُلنا : إنَّهُ ابنُهُ لِأَ نَّهُ اختَصَّهُ بِما لَم يَختَصَّ بِهِ غَيرَهُ ، وأنتُم تَعلَمونَ أنَّ الَّذي خَصَّ بِهِ عيسى لَم يَخُصَّ بِهِ هؤُلاءِ القَومَ الَّذينَ قالَ لَهُم عيسى : أذهَبُ إلى أبي وأبيكُم» ، فَبَطَلَ أن يَكونَ الاِختِصاصُ لِعيسى ، لِأَ نَّهُ قَد ثَبَتَ عِندَكُم بِقولِ عيسى لِمَن لَم يَكُن لَهُ مِثلُ اختِصاصِ عيسى ، وأنتُم إنّ��ما حَكَيتُم لَفظَةَ عيسى وتَأَوَّلتُموها عَلى غَيرِ وَجهِها ، لِأَ نَّهُ إذا قالَ : «أبي وأبيكُم» ، فَقَد أرادَ غَيرَ ما ذَهَبتُم إلَيهِ ونَحَلتُموهُ ، وما يُدريكُم لَعَلَّهُ عَنى أذهَبُ إلى آدَمَ ، أو إلى نوحٍ ، وإنَّ اللّه َ يَرفَعُني إلَيهِم ويَجمَعُني مَعَهُم ، وآدَمُ أبي وأبوكُم ، وكَذلِكَ نوحٌ ، بَل ما أرادَ غَيرَ هذا . قالَ : فَسَكَتَ النَّصارى وقالوا : ما رَأَينا كَاليَومِ مُجادِلاً ولا مُخاصِما مِثلَكَ وسَنَنظُرُ في اُمورِنا . ثُمَّ أقبَلَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله عَلَى الدَّهرِيَّةِ فَقالَ : وأنتُم فَمَا الَّذي دَعاكُم إلَى القَولِ بِأَنَّ الأَشياءَ لا بُدُوَّ لَها وهِيَ دائِمَةٌ لَم تَزَل ولا تَزالُ ؟ فَقالوا : لِأَنّا لا نَحكُمُ إلاّ بِما نُشاهِدُ ، ولَم نَجِد لِلأَشياءِ حَدَثا ، فَحَكَمنا بِأَنّها لَم تَزَل ، ولَم نَجِد لَهَا انقِضاءً وفَناءً ، فَحَكَمنا بِأَنَّها لا تَزالُ . فَقالَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله : أفَوَجَدتُم لَها قِدَما؟ أم وَجَدتُم لَها بَقاءً أبَدَ الآبِدِ؟ فَإِن قُلتُم : إنَّكُم وَجَدتُم ذلِكَ ، أنهَضتُم لِأَنفُسِكُم أنَّكُم لَم تَزالوا عَلى هَيئَتِكُم وعُقولِكُم بِلا نِهايَةٍ ، ولا تَزالونَ كَذلِكَ ، ولَئِن قُلتُم هذا ، دَفَعتُمُ العِيانَ وكَذَّبَكُمُ العالَمونَ الَّذينَ يُشاهِدونَكُم . قالوا : بَل لَم نُشاهِد لَها قِدَما ، ولا بَقاءً أبَدَ الآبِدِ . قالَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله : فَلِمَ صِرتُم بِأَن تَحكُموا بِالقِدَمِ وَالبَقاءِ دائِما ، لِأَنَّكُم لَم تُشاهِدوا حُدوثَها ، وَانقِضاؤُها أولى مِن تارِكِ التَّمييزِ لَها مِثلِكُم ، فَيَحكُمُ لَها بِالحُدوثِ وَالاِنقِضاءِ وَالاِنقِطاعِ ، لِأَ نَّهُ لَم يُشاهِد لَها قِدَما ، ولا بَقاءً أبَدَ الآبِدِ . أوَلَستُم تُشاهِدونَ اللَّيلَ وَالنَّهارَ و[أنَّ ]أحَدَهُما بَعدَ الآخَرِ ؟ فَقالوا : نَعَم . فَقالَ : أتَرَونَهُما لَم يَزالا ولا يَزالانِ ؟ فَقالوا : نَعَم . فَقالَ : أفَيَجوزُ عِندَكُمُ اجتِماعُ اللَّيلِ وَالنَّهارِ ؟ فَقالوا : لا . فَقالَ صلى الله عليه و آله : فَإِذا يَنقَطِعُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ ، فَيَسبِقُ أحَدُهُما ، ويَكونُ الثّاني جارِيا بَعدَهُ . قالوا : كَذلِكَ هُوَ . فَقالَ : قَد حَكَمتُم بِحُدوثِ ما تَقَدَّمَ مِن لَيلٍ ونَهارٍ لَم تُشاهِدوهُما ، لا تُنكِروا للّه ِِ قُدرَةً . ثُمَّ قالَ صلى الله عليه و آله : أتَقولونَ ما قَبلَكُم مِنَ اللَّيلِ وَالنَّهارِ مُتَناهٍ أم غَيرُ مُتناهٍ ؟ فَإِن قُلتُم : غَيرُ مُتَناهٍ ، فَكَيفَ وَصَلَ إلَيكُم آخَرُ بِلا نِهايَةٍ لِأَوَّلِهِ ؟ وإن قُلتُم : إنَّهُ مُتَناهٍ ، فَقَد كانَ ولا شَيءَ مِنهُما . قالوا : نَعَم . قالَ لَهُم : أقُلتُم : إنَّ العالَمَ قَديمٌ غَيرُ مُحدَثٍ ، وأنتُم عارِفونَ بِمَعنى ما أقرَرتُم بِهِ ، وبِمَعنى ما جَحَدتُموهُ ؟ قالوا : نَعَم . قالَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله : فَهذَا الَّذي تُشاهِدونَهُ مِنَ الأَشياءِ بَعضِها إلى بَعضٍ يَفتَقِرُ ، لِأَ نَّهُ لا قِوامَ لِلبَعضِ إلاّ بِما يَتَّصِلُ بِهِ . ألا تَرَى البِناءَ مُحتاجا بَعضَ أجزائِهِ إلى بَعضٍ وإلاّ لَم يَتَّسِق ، ولَم يُستَحكَم ، وكَذلِكَ سائِرُ ما تَرَونَ . وقالَ صلى الله عليه و آله : فَإِذا كانَ هذَا المُحتاجُ ـ بَعضُهُ إلى بَعضٍ لِقُوَّتِهِ وتَمامِهِ ـ هُوَ القَديمُ ، فَأَخبِروني أن لَو كانَ مُحدَثا ، كَيفَ كانَ يَكونُ ؟ وماذا كانَت تَكونُ صِفَتُهُ ؟ قالَ : فَبُهِتوا وعَلِموا أنَّهُم لا يَجِدونَ لِلمُحدَثِ صِفَةً يَصِفونَهُ بِها إلاّ وهِيَ مَوجودَةٌ في هذَا الَّذي زَعَموا أنَّهُ قَديمٌ ، فَوَجَموا [١] وقالوا : سَنَنظُرُ في أمرِنا . ثُمَّ أقبَلَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله عَلَى الثَّنَوِيَّةِ ـ الَّذين قالوا : النّورُ وَالظُّلمَةُ هُمَا المُدَبِّرانِ ـ فَقالَ : وأنتُم فَمَا الَّذي دَعاكُم إلى ما قُلتُموهُ مِن هذا ؟ فَقالوا : لِأَنّا وَجَدنَا العالَمَ صِنفَينِ : خَيرا وشَرّا ، ووَجَدنَا الخَيرَ ضِدّا لِلشَّرِّ ، فَأَنكَرنا أن يَكونَ فاعِلٌ واحِدٌ يَفعَلُ الشَّيءَ وضِدَّهُ ، بَل لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما فاعِلٌ ، ألا تَرى أنَّ الثَّلجَ مُحالٌ أن يَسخُنَ ، كَما أنَّ النّارَ مُحالٌ أن تَبرَدَ ، فَأَثبَتنا لِذلِكَ صانِعَينِ قَديمَينِ : ظُلمَةً ونورا . فَقالَ لَهُم رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله : أفَلَستُم قَد وَجَدتُم سَوادا وبَياضا وحُمرَةً وصُفرَةً وخُضرَةً وزُرقةً ؟ وكُلُّ واحِدَةٍ ضِدٌّ لِسائِرِها ، لاِستِحالَةِ اجتِماعِ اثنَينِ مِنها في مَحَلٍّ واحِدٍ ، كَما كانَ الحَرُّ والبَردُ ضِدَّينِ لاِستِحالَةِ اجتِماعِهِما في مَحَلٍّ واحِدٍ ؟ قالوا : نَعَم . قالَ : فَهَلاّ أثبَتُّم بِعَدَدِ كُلِّ لَونٍ صانِعا قَديما ، لِيَكونَ فاعِلُ كُلٍّ ضِدٍّ مِن هذِهِ الأَلوانِ غَيرَ فاعِلِ الضِّدِّ الآخَرِ ؟! قالَ : فَسَكَتوا . ثُمَّ قالَ : وكَيفَ اختَلَطَ النُّورُ وَالظُّلمَةُ ، وهذا مِن طَبعِهِ الصُّعودُ وهذِهِ مِن طَبعِهَا النُّزولُ ؟ أرَأَيتُم لَو أنَّ رَجُلاً أخَذَ شَرقا يَمشي إلَيهِ والآخَرُ غَربا ، أكانَ يَجوزُ عِندَكُم أن يَلتَقِيا ما داما سائِرَينِ عَلى وُجوهِهِما ؟ قالوا : لا . قالَ : فَوَجَبَ أن لا يَختَلِطَ النّورُ وَالظُّلمَةُ ، لِذَهابِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في غَيرِ جِهَةِ الآخَرِ ، فَكَيفَ حَدَثَ هذَا العالَمُ مِنِ امتِزاجِ ما هُوَ مُحالٌ أن يَمتَزِجَ ؟ بَل هُما مُدَبِّرانِ جَميعا مَخلوقانِ ؟ فَقالوا : سَنَنظُرُ في اُمورِنا . ثُمَّ أقبَلَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله عَلى مُشرِكِي العَرَبِ فَقالَ : وأنتُم فَلِمَ عَبَدتُمُ الأَصنامَ مِن دونِ اللّه ِ ؟ فَقالوا : نَتَقَرَّبُ بِذلِكَ إلَى اللّه ِ تَعالى . فَقالَ لَهُم : أوَهِيَ سامِعَةٌ مُطيعَةٌ لِرَبِّها ، عابِدَةٌ لَهُ ، حَتّى تَتَقَرَّبوا بِتَعظِيمِها إلَى اللّه ِ ؟ قالوا : لا . قالَ : فَأَنتُمُ الَّذينَ نَحَتُّموها بِأَيديكُم ؟ قالوا : نَعَم . قالَ : فَلَئِن تَعبُدُكُم هِيَ ـ لَو كانَ تَجوزُ مِنهَا العِبادَةُ ـ أحرى مِن أن تَعبُدوها ! إذا لَم يَكُن أمَرَكُم بِتَعظيمِها ، مَن هُوَ العارِفُ بِمَصالِحِكُم وعَواقِبِكُم وَالحَكيمُ فيما يُكَلِّفُكُم ؟! قالَ : فَلَمّا قالَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله هذَا القَولَ اختَلَفوا ، فَقالَ بَعضُهُم : إنَّ اللّه َ قَد حَلَّ في هَياكِلِ رِجالٍ كانوا عَلى هذِهِ الصُّوَرِ فَصَوَّرنا هذِهِ الصُّوَرَ ، نُعَظِّمُها لِتَعظيمِنا تِلكَ الصُّوَرَ الَّتي حَلَّ فيها رَبُّنا . وقالَ آخَرونَ مِنهُم : إنَّ هذِهِ صُوَرُ أقوامٍ سَلَفوا ، كانوا مُطيعينَ للّه ِِ قَبلَنا فَمَثَّلنا صُوَرَهُم وعَبَدناها تَعظيما للّه ِ . وقالَ آخَرونَ مِنهُم : إنَّ اللّه َ لَمّا خَلَقَ آدَمَ ، وأمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجودِ لَهُ فَسَجَدوهُ تَقَرُّبا بِاللّه ِ ، كُنّا نَحنُ أحَقَّ بِالسُّجودِ لاِدَمَ مِنَ المَلائِكَةِ ، فَفاتَنا ذلِكَ ، فَصَوَّرنا صورَتَهُ فَسَجَدنا لَها تَقَرُّبا إلَى اللّه ِ ، كَما تَقَرَّبَتِ المَلائِكَةُ بِالسُّجودِ لاِدَمَ إلَى اللّه ِ تَعالى ، وكَما اُمِرتُم بِالسُّجودِ ـ بِزَعمِكُم ـ إلى جِهَةِ «مَكَّةَ» فَفَعَلتُم ، ثُمَّ نَصَبتُم في غَيرِ ذلِكَ البَلَدِ بِأَيديكُم مَحاريبَ سَجَدتُم إلَيها وقَصَدتُمُ الكَعبَةَ لا مَحاريبَكُم ، وقَصدُكُم بِالكَعبَةِ إلَى اللّه ِ عَزَّوجَلَّ لا إلَيها . فَقالَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله : أخطَأتُمُ الطَّريقَ وضَلَلتُم ، أمّا أنتُم ـ وهُوَ صلى الله عليه و آلهيُخاطِبُ الَّذينَ قالوا : إنَّ اللّه َ يَحِلُّ في هَياكِلِ رِجالٍ كانوا عَلى هذِهِ الصُّوَرِ الَّتي صَوَّرناها ، فَصَوَّرنا هذِهِ الصُّوَرَ نُعَظِّمُها لِتَعظيمِنا لِتِلكَ الصُّوَرِ الَّتي حَلَّ فيها رَبُّنا ـ فَقَد وَصَفتُم رَبَّكُم بِصِفَةِ المَخلوقاتِ ، أوَيَحِلُّ رَبُّكُم في شَيءٍ حَتّى يُحيطَ بِهِ ذلِكَ الشَّيءُ ؟! فَأَيُّ فَرقٍ بَينَهُ إذا وبَينَ سائِرِ ما يَحِلُّ فيهِ مِن لَونِهِ وطَعمِهِ ورائِحَتِهِ ولينِهِ وخُشونَتِهِ وثِقلِهِ وخِفَّتِهِ ؟ ولِمَ صارَ هذَا المَحلولُ فيهِ مُحدَثا وذلِكَ قَديما ، دونَ أن يَكونَ ذلِكَ مُحدَثا وهذا قَديما ، وكَيفَ يَحتاجُ إلَى المَحالِ مَن لَم يَزَل قَبلَ المَحالِ ، وهُوَ عَزَّوجَلَّ لا يَزالُ كَما لَم يَزَل ؟ وإذا وَصَفتُموهُ بِصِفَةِ المُحدَثاتِ فِي الحُلولِ ، فَقَد لَزِمَكُم أن تَصِفوهُ بِالزَّوالِ [وَالحُدوثِ] ! وإذا وَصَفتُموهُ بِالزَّوالِ وَالحُدوثِ ، وَصَفتُموهُ بِالفَناءِ ! لِأَنَّ ذلِكَ أجمَعُ مِن صِفاتِ الحالِّ وَالمَحلولِ فيهِ ، وجَميعُ ذلِكَ يُغَيِّرُ الذّاتَ ، فَإِن كانَ لَم يَتَغَيَّر ذاتُ الباري تَعالى بِحُلولِهِ في شَيءٍ ، جازَ أن لا يَتَغَيَّرَ بِأَن يَتَحَرَّكَ ويَسكُنَ ويَسوَدَّ ويَبيَضَّ ويَحمَرَّ ويَصفَرَّ ، وتَحِلَّهُ الصِّفاتُ الَّتيتَتَعاقَبُ عَلَى المَوصوفِ بِها ، حَتّى يكونَ فيهِ جَميعُ صِفاتِ المُحدَثينَ ، ويَكون مُحدَثا ـ عَزَّ اللّه َ تَعالى عَن ذلِكَ . ثُمَّ قالَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله : فَإِذا بَطَلَ ما ظَنَنتُموهُ مِن أنَّ اللّه َ يَحِلُّ في شَيءٍ ، فَقَد فَسَدَ ما بَنَيتُم عَلَيهِ قَولَكُم . قالَ : فَسَكَتَ القَومُ وقالوا : سَنَنظُرُ في اُمورِنا . ثُمَّ أقبَلَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله عَلَى الفَريقِ الثّاني فَقالَ [لَهُم] : أخبِرونا عَنكُم إذا عَبَدتُم صُوَرَ مَن كانَ يَعبُدُ اللّه َ فَسَجَدتُم لَهَا وصَلَّيتُم ، فَوَضَعتُمُ الوُجوهَ الكَريمَةَ عَلَى التُّرابِ ـ بِالسُّجودِ لَها ـ فَمَا الَّذي أبقَيتُم لِرَبِّ العالَمينَ ؟ أما عَلِمتُم أنَّ مِن حَقِّ مَن يَلزَمُ تَعظيمُهُ وعِبادَتُهُ أن لا يُساوى بِهِ عَبدُهُ ؟ أرَأَيتُم مَلِكا أو عَظيما إذا ساوَيتُموهُ بِعَبيدِهِ فِي التَّعظيمِ وَالخُشوعِ وَالخُضوعِ ، أيَكونُ في ذلِكَ وَضعٌ مِن حَقِّ الكَبيرِ كَما يَكونُ زِيادَةٌ في تَعظيمِ الصَّغيرِ ؟ فَقالوا : نَعَم . قالَ : أفَلا تَعلَمونَ أنَّكُم مِن حَيثُ تُعَظِّمونَ اللّه َ بِتَعظيمِ صُوَرِ عِبادِهِ المُطيعينَ لَهُ ، تَزرونَ عَلى رَبِّ العالَمينَ ؟ قالَ : فَسَكَتَ القَومُ بَعدَ أن قالوا : سَنَنظُرُ في اُمورِنا . ثُمَّ قالَ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله لِلفَريقِ الثّالِثِ : لَقَد ضَرَبتُم لَنا مَثَلاً ، وشَبَّهتُمونا بِأَنفُسِكُم ولَسنا سِواءً ، وذلِكَ أنّا عِبادُ اللّه ِ مَخلوقونَ مَربوبونَ ، نَأتَمِرُ لَهُ فيما أمَرَنا ، ونَنزَجِرُ عَمّا زَجَرَنا ، ونَعبُدُهُ مِن حَيثُ يُريدُهُ مِنّا ، فَإِذا أمَرَنا بِوَجهٍ مِنَ الوُجوهِ أطَعناهُ ، ولَم نَتَ��َدَّ إلى غَيرِهِ مِمّا لَم يَأمُرنا [بِهِ] ، ولَم يَأذَن لَنا ، لِأَنّا لا نَدري لَعَلَّهُ إن أرادَ مِنَّا الأَوَّلَ فَهُوَ يَكرَهُ الثّانِيَ ، وقَد نَهانا أن نَتَقَدَّمَ بَينَ يَدَيهِ ، فَلَمّا أمَرَنا أن نَعبُدَهُ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الكَعبَةِ أطَعناهُ ، ثُمَّ أمَرَنا بِعِبادَتِهِ بِالتَّوَجُّهِ نَحوَها في سائِرِ البُلدانِ الَّتي نَكونُ بِها فَأَطَعناهُ ، ولَم نَخرُج في شَيءٍ مِن ذلِكَ مِنِ اتِّباعِ أمرِهِ ، وَاللّه ُ عَزَّوجَلَّ حَيثُ أمَرَ بِالسُّجودِ لاِدَمَ لَم يَأمُر بِالسُّجودِ لِصورَتِهِ الَّتي هِيَ غَيرُهُ ، فَلَيسَ لَكُم أن تَقيسوا ذلِكَ عَلَيهِ ، لِأَنَّكُم لا تَدرونَ لَعَلَّهُ يَكرَهُ ما تَفعَلونَ إذ لَم يَأمُركُم بِهِ! ثُمَّ قالَ لَهُم رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله : أرَأَيتُم لَو أذِنَ لَكُم رَجُلٌ دُخولَ دارِهِ يَوما بِعَينِهِ ، ألَكُم أن تَدخُلوها بَعدَ ذلِكَ بِغَيرِ أمرِهِ ؟ أوَلَكُم أن تَدخُلوا دارا لَهُ اُخرى مِثلَها بِغَيرِ أمرِهِ ؟ أو وَهَبَ لَكُم رَجُلٌ ثَوبا مِن ثِيابِهِ ، أو عَبدا مِن عَبيدِهِ ، أو دابَّةً مِن دَوابِّهِ ، ألَكُم أن تَأخُذوا ذلِكَ ؟ قالوا : نَعَم . قالَ : فَإِن لَم تَأخُذوهُ ألَكُم أخذُ آخَرَ مِثلِهِ ؟ قالوا : لا ، لِأَ نَّهُ لَم يَأذَن لَنا فِي الثّاني كَما أذِنَ فِي الأَوَّلِ . قالَ صلى الله عليه و آله : فَأَخبِروني ، اللّه ُ أولى بِأَن لا يُتَقَدَّمَ عَلى مُلكِهِ بِغَيرِ أمرِهِ أو بَعضُ المَملوكينَ ؟ قالوا : بَلِ اللّه ُ أولى بِأَن لا يُتَصَرَّفُ في مُلكِهِ بِغَيرِ إذنِهِ . قالَ : فَلِمَ فَعَلتُم ؟ ومَتى أمَرَكُم أن تَسجُدوا لِهذِهِ الصُّوَرِ ؟ قالَ : فَقالَ القَومُ : سَنَنظُرُ في اُمورِنا ، وسَكَتوا . وقالَ الصّادِقُ عليه السلام : فَوَالَّذي بَعَثَهُ بِالحَقِّ نَبِيّا ما أتَت عَلى جَماعَتِهِم إلاّ ثَلاثَةُ أيّامٍ حَتّى أتَوا رَسولَ اللّه ِ فَأَسلَموا ، وكانوا خَمسَةً وعِشرينَ رَجُلاً ، مِن كُلِّ فِرقَةٍ خَمسَةٌ . وقالوا : ما رَأَينا مِثلَ حُجَّتِكَ يا مُحَمَّدُ ، نَشهَدُ أَنَّكَ رَسولُ اللّه ِ . [٢]


[١] الوُجوم : السكوت على غيظ (لسان العرب : ١٢ / ٦٣٠) .[٢] الاحتجاج : ١/٢٧ ـ ٤٤/٢٠ ، التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام : ٥٣٠/٣٢٣ ، بحارالأنوار : ٩ / ٢٥٧ / ١ .