مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٧٢ - ما هو المختار عندنا ؟
وأمّا قوله سبحانه : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَٰهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) [١] فانتخاب الرسول دون النبي هو المناسب للوحي إنّما هو لأجل قوله ( أَرْسَلْنَا ) الذي يناسب الرسول كما سيوافيك بيانه ، والآية تهدف إلى أنّ الرسالات كلها كانت قائمة على أساس التوحيد ونفي عبادة غيره تعالى.
والمراد من الرسول في قوله سبحانه : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ) [٢] هو أمين الوحي [٣] ، يعني أنّ الرسول ( الروح الأمين ) يوحي إلى ذلك البشر الذي أراد الله أن يكلّمه ، بإذنه سبحانه فالرسول في الآية موح لا موحى إليه كما لا يخفى.
وإلى ذلك يشير العلاّمة اللغوي العسكري حيث يقول في فروقه : « والإنباء عن الشيء قد يكون من غير تحمل النبأ ... » فيريد أنّ النبوة متقومة بتحمل الخبر ولا يشترط في صدقها كون النبي مأموراً بإبلاغه إلى الغير [٤] بخلاف الرسالة فإنّها متقومة بتلك الحيثية.
وأمّا الرسالة : فحقيقتها عبارة عن القيام ، بإنفاذ عمل أو إبلاغ كلام من جانب الغير سواء أكان هو الله سبحانه أم غيره [٥] وتحمّل التبشير والإنذار كما نقلناه عن الراغب والعسكري.
ويدل على ذلك أنّ الله سبحانه إذا أراد من نبيه تبليغ كلام عنه أو تحقيق عمل في الخارج يخاطبه كثيراً بقوله : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ) لا بلفظ ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ )
[١] الأنبياء : ٢٥.
[٢] الشورى : ٥١.
[٣] وإلاّ لكان الأنسب مع قوله : ( فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ) لفظ « النبي » لا « الرسول » كما لا يخفى.
[٤] نعم دلّت ظواهر الآيات على أنّ كل نبي كان مبعوثاً إلى الناس كما مضى.
[٥] سيوافيك دليل عمومية الرسالة من جانب المرسل ( بالكسر ) كما سيوافيك دليل عموميتها من جانب نفس المرسل ( بالفتح ).