مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٢٦ - الشفاعة القيادية
لم يكن لشيء من الأشياء أن يتوسط في تدبير أمر من الأمور ـ وهو الشفاعة ـ إلاّ من بعد إذنه ، تعالى ، فهو سبحانه هو السبب الأصلي الذي لا سبب بالأصالة دونه وغيره من الأسباب أسباب بتسبيبه وشفعاء من بعد إذنه ، وإذا كان كذلك كان الله تعالى هو ربكم الذي يدبر أمركم لا غيره مما اتخذتموه أرباباً من دون الله وشفعاء عنده وهو المراد بقوله : ( ذَٰلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) أي لماذا لا تنتقلون انتقالاً فكرياً حتى تفهموا أنّ الله هو ربكم لا ربَّ غيره [١].
٢. الشفاعة القياديةالمراد من هذا الصنف هو قيام قيادة الأنبياء والأولياء والأئمّة والعلماء والكتب السماوية مقام الشفيع والشفاعة في تخليص البشر من عواقب أعماله وآثار سيئاته.
وتوضيح ذلك : أنّه إذا كانت نتيجة الشفاعة المصطلحة يوم القيامة هي تخليص العصاة من عواقب أعمالهم ، وآثار معاصيهم وأفعالهم ، فإنّ قيادة الأنبياء والأولياء والكتب السماوية والعلماء وأقلامهم تقوم بنفس هذا العمل.
غير أنّ الفرق بين الشفاعتين واضح فإنّ الشفاعة المصطلحة توجب رفع العذاب عن العبد بعد استحقاقه له ، وهذه الشفاعة توجب أن لا يقع العبد في عداد العصاة حتى يستحق.
وإن شئت قلت : إنّ الشفاعة الأولى تخلّص العبد بعد زلته وعثرته وبعد وقوعه في المهالك والمهاوي ، ولكن الشفاعة القيادية تمنع من وقوع العبد في المهالك وزلته إلى المهاوي ، فالأولى من قبيل الرفع ، والثانية من قبيل الدفع ، والفرق بينهما واضح ، فإنّ الرفع يمنع المقتضي عن التأثير بعد وجوده ، والدفع
[١] الميزان : ١٠ / ٦ ـ ٧.