الشيعه في موكب التاريخ - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٠
تقدّمه على عليّ بن أبي طالب اثني عشر رجلاً من المهاجرين والاَنصار؛ فمن المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص، والمقداد بن الاَسود، وأُبيّ بن كعب، وعمّـار بن ياسر، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، وبريدة الاَسلمي.
ومن الاَنصار: زيد بن ثابت، وذو الشهادتين، وابن حنيف، وأبو أيّوب الاَنصاري، وأبو الهيثم بن التيهان.
وبعدما صعد أبو بكر على المنبر قال خالد بن سعيد: يا أبا بكر اتقّ الله... ثمّ استدل على تقدم عليّ بما ذكره النبيّ فقال: «معاشر المهاجرين والاَنصار، أُوصيكم بوصيّة فاحفظوها، وانّي مؤدّ إليكم أمراً فاقبلوه: ألا إنّ علياً أميركم من بعدي وخليفتي فيكم» ـ إلى آخر ما ذكره ـ ثمّ قام أبو ذر وقال: يا معاشر المهاجرين والاَنصار... طرحتم قول نبيّكم وتناسيتم ما أوعز إليكم. ثمّ ذكر مناشدة كل منهم مستندين في احتجاجهم على أبي بكر بالاَحاديث التي سمعوها من النبيّ الاَكرم[١]. وهذا يعرب عن أنّ التشيّع السياسي ـ الذي كان ظرف ظهوره حسب طبع الحال بعد الرحلة ـ كان مستفاداً من نصوص النبيّ_ صلى الله عليه وآله وسلم _.
رابعاً: ماذا يريد من الفرقة وأنّ الشيعة تكوّنت بصورة فرقة بعد مقتل الاِمام الحسين؟ فهل يريد الفرقة الكلامية التي تبتني على آراء في العقائد تخالف فيها الفرق الاَُخرى؟ فهذا الاَمر لم يعلم له أيّ وجود يذكر إلى أواسط العقد الثالث من الهجرة، ولم تكن يومذاك أيّة مسألة كلامية مطروحة حتّى تأخذ شيعة عليّ بجانب والآخرون بجانب آخر، بل كان المسلمون متسالمين في العقائد والاَحكام حسب ما بلغ إليهم من الرسول، ولم يكن آنذاك أيّ اختلاف عقائدي إلاّ في مسألة القيادة، فالفرقة بهذا المعنى لم تكن موجودة في أوساط المسلمين.
وإن أراد من الفرقة الجماعة المتبنّية ولاية عليّ روحيّاً وسياسياً وأنّه أحقّ بالقيادة على جميع الموازين، فإنّها كانت موجودة في يوم السقيفة وبعدها.
نعم إنّ توسّع الرقعة الجغرافية للدولة الاِسلامية وما رافق ذلك من احتكاك مباشر بكثير من الفرق والجماعات صاحبة الاَفكار العقائدية المختلفة، وتأثّر بعض الفرق الاِسلامية ومفكّريها بجملة من تلك الآراء والتصوّرات، ساعد بشكل كبير في إيجاد مدارس كلامية متعدّدة في كيان المجتمع الاِسلامي، ولمّا كان الشيعة أشد تمسّكاً بحديث الثقلين المشهور، فقد رجعوا إلى أئمّة أهل البيت فصاروا فرقة كلامية متشعّبة الاَفنان، ضاربة جذورها في الكتاب والسنّة والعقل.
وهكذا فلا مرية من القول بخطأ كلّ الافتراضات السابقة وعدم حجّيتها في محاولة تثبيت كون التشيّع ظاهرة طارئة على الاِسلام، وإنّما هو نفس الاِسلام في إطار ثبوت القيادة لعليّ بعد رحلة النبيّ بتنصيصه، وتبنّاه منذ بعثة النبيّ الاَكرم جملة من الصحابة والتابعين وامتدّ ذلك حسب الاَجيال والقرون، بل وظهر بفضل التمسّك بالثقلين علماء مجاهدون، وشعراء مجاهرون، وعباقرة في الحديث، والفقه، والتفسير، والفلسفة، والكلام، واللغة، والاَدب، وشاركوا جميع المسلمين في بناء الحضارة الاِسلامية بجوانبها المختلفة، يتّفقون مع جميع الفرق في أكثر الاَُصول والفروع وإن اختلفوا معهم في بعضها كاختلاف بعض الفرق مع بعضها الآخر. وسيوافيك تفصيل عقائدهم في مبحث خاصّ بإذن الله.
كما يظهر لك أيضاً وهن ما ذهب إليه الدكتور عبد العزيز الدوري من أنّ التشيّع باعتباره عقيدة روحية ظهر في عصر النبيّ وباعتباره حزباً سياسياً قد حدث بعد قتل عليّ[٢].
[١] الخصال : ٤٦١ ط مكتبة الصدوق لاحظ المناشدة إلى آخرها ترى فيها دلائل كافية لإثبات الخلافة للإمام أمير المؤمنين _ عليه السلام _ . [٢] لاحظ الصلة بين التصوّف والتشيّع : ١٨ .