الشيعه في موكب التاريخ - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٦ - عبد الله بن سبأ أُسطورة تاريخية
وأكبر الظنّ أنّ عبد الله بن سبأ هذا ـ إن كان كل ما يروى عنه صحيحاً ـ إنّما قال ودعا إلى ما دعا إليه بعد أن كانت الفتنة، وعظم الخلاف، فهو قد استغلّ الفتنة، ولم يثرها.
إنّ خصوم الشيعة أيّام الاَُمويين والعباسيين قد بالغوا في أمر عبد الله بن سبأ هذا ليشكّكوا في بعض ما نسب من الاَحداث إلى عثمان وولاته من ناحية، وليشنّعوا على عليّ وشيعته من ناحية أُخرى، فيردّوا بعض أُمور الشيعة إلى يهودي أسلم كيداً للمسلمين، وما أكثر ما شنّع خصوم الشيعة على الشيعة.
فلنقف من هذا كلّه موقف التحفّظ والتحرّج والاحتياط، ولنكبر المسلمين في صدر الاِسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجل أقبل من صنعاء، وكان أبوه يهودياً وكانت أُمّه سوداء، وكان هو يهوديّاً ثمّ أسلم، لا رغباً ولا رهباً ولكن مكراً وكيداً وخداعاً، ثمّ أُتيح له من النجح ما كان يبتغي، فحرَّض المسلمين على خليفتهم حتى قتلوه، وفرّقهم بعد ذلك أو قبله شيعاً وأحزاباً.
هذه كلّها أُمور لا تستقيم للعقل، ولا تثبت للنقد، ولا ينبغي أن تقام عليها أُمور التاريخ، وإنّما الشيء الواضح الذي ليس فيه شكّ هو أنّ ظروف الحياة الاِسلامية في ذلك الوقت كانت بطبعها تدفع إلى اختلاف الرأى، وافتراق الاَهواء، ونشأة المذاهب السياسيّة المتباينة، فالمستمسكون بنصوص القرآن وسنّة النبيّ وسيرة صاحبيه كانوا يرون أُموراً تطرأ، ينكرونها ولا يعرفونها، ويريدون أن تواجه كما كان عمر يواجهها في حزم وشدة وضبط للنفس وضبط للرعية، والشباب الناشئون في قريش وغير قريش من أحياء العرب كانوا يستقبلون هذه الاَُمور الجديدة بنفوس جديدة، فيها الطمع، وفيها الطموح، وفيها الاَثرة، وفيها الاَمل البعيد، وفيها الهَمّ الذي لا يعرف حدّاً يقف عنده، وفيها من أجل هذا كلّه التنافس والتزاحم لا على المناصب وحدها بل عليها وعلى كل شيء من حولها،