بلاد العرب - حسن بن عبد الله الأصفهاني - الصفحة ١٥ - جزيرة العرب للأصمعي
سطحها، و مدى توفر المياه و النباتات و المزروعات فيها، و ما يتبع ذلك من تنوع في مظاهر الحضارة، و أثر ذلك في تنوع تفاصيل مظاهر الحياة و اللغة.
لم تكن الجزيرة في تاريخها منعزلة عن أحداث البلاد المجاورة لها في الحياة السياسية أو الحضارية، فإذا تركنا الحديث عن صلاتها بالعالم قبل الاسلام، فإنها احتفظت منذ ظهور الاسلام بصلات وثيقة مع أقاليم العالم الاسلامي، بفضل العدد الكبير من أبنائها الذين ساهموا في الفتوح، و صاروا مقاتلة في الدولة، و استقروا في الأمصار، هذا بجانب العدد الكبير الذي كان يمر بها سنويا في طريقه إلى الحج، أو يستقر مقيما في مدنها المقدسة أو في مراكز الحياة الاقتصادية فيها. و أخيرا فإن صلة جزيرة العرب بما يجاورها ظلت وثيقة بفضل القوافل التجارية التي كانت تمر بها و المنتوجات التي كانت تصدرها.
و قد عرضها كل ذلك إلى تطورات كبيرة، و أوجد فيها أحوالا متبدلة.
فإذا كانت دراسة التنوع في الجزيرة ضرورية، فإن مراعاة التطورات الزمنية أمر أساسيّ لفهم أحوالها على وجه الصحة.
تكتسب دراسة أوضاع الجزيرة في صدر الاسلام أهمية خاصة، ففي هذه الفترة اعتنق أبناؤها الإسلام و قاتلوا من أجل تكوين و توسيع و تثبيت دولة الاسلام، و ساهموا في الفتوح و الادارة، و اعتزوا بلغتهم و ثقافتهم و آدابهم و حضارتهم، و لما حاول بعض الأعاجم في الأمصار خاصة، تحدي هذه النظم و المفاخرة بتراث الأعاجم، انبرى عدد كبير يدافع عن البداوة و تراث الصحراء.
و شارك في هذا الدفاع الخلفاء و العلماء، فإنهم عرب ينحدرون من عالم كبير من علماء العربية، و قد عينوا لادارة أقاليم دولتهم و قيادة جيوشها رجالا أغلبهم من أقاربهم العباسيين، أي من العرب، و أودعوا تربية أولادهم لعلماء في العربية، و شجع الأولون جمع الشعر العربي البدوي، و قربوا علماءه