بلاد العرب - حسن بن عبد الله الأصفهاني - الصفحة ١٤ - جزيرة العرب للأصمعي
الجمل، و طرائق اللفظ، و إذا كنا كالأقدمين، و نحن على حق، نرى أن المكان الأول لمعرفة الأصيل في لغة العرب و ثقافتها هو جزيرة العرب، فإن واجبنا الأول هو دراسة الجزيرة العربية و أحوالها بدقة و تفصيل، أو على الأقل تشجيع البحوث عنها.
و لدراسة جزيرة العرب أهمية خاصة في تاريخ العرب و الاسلام، ففيها ظهر الرسول ٦ و دعى إلى الإسلام و أسس دولة الإسلام، و على أهلها اعتمد الرسول و الخلفاء الراشدون في فتح البلاد و توسيع رقعة دولة الإسلام، و من أبنائها كان الجند الذين وسعوا حدود دولة الإسلام و ثبتوا فيها الأمن و النظام و منهم كان الخلفاء و القواد و كبار رجال الإدارة الذين سيروا دفة الدولة.
و الحق أن مثلهم العليا المنعكسة في الشعر و الأدب سادت في عصرهم، و كانت أساس الحركة الفكرية في العصور الإسلامية. و ان مجمعكم العتيد باستهدافه الحفاظ على لغة العرب، و تثبيتها في مختلف مجالات الحياة و الفكر بقدر الامكان، إن هو في الحقيقة إلا يستهدف حفظ لغة أهل جزيرة العرب التي احتفظت أكثر من غيرها بالأصيل، و تأثرت أقل من غيرها بالدخيل. و لما علا صوت الأعاجم في الثقافة، و بدا أثرهم يظهر في حياة العرب و لغتهم، و تجلت الحاجة إلى معرفة الأصيل و تثبيته، لجأ أسلافكم من علماء اللغة و الباحثين فيها إلى الصحراء، يستمدون منها المعرفة الصحيحة، فأخذوا يتتبعون العلم في منابعه و المعرفة من مصادرها.
و لا بد هنا من الاشارة إلى أمر أوقع الغافلين عنه في أخطاء فاضحة، و خلق في أذهانهم بلبلة محيرة، ألا و هو التنوع الكبير في أجزاء الجزيرة، و التبدل الذي تعرضت له. و لست أريد الدخول هنا في عرض أو مناقشة النظريات التي لقيت صدى في بعض الأوساط عن تبدل مناخ الجزيرة في التاريخ الموغل في القدم كما يقول الجغرافيون، أو قبيل الإسلام كما يرى (كايتاني) و متابعوه، بل اقتصر على لفت النظر إلى التنوع في تركيب الأرض و أحوال