أحكام المياه - الشيخ محمد رضا النجفي الأصفهاني - الصفحة ٤٥ - الماء الجاري
أقول: فما اصطلحوا عليه من أخذ النبعان في [٣/] مفهوم الجاري و إن كان لا مشاحة في الاصطلاح لكنّا نقول: إنّ الجاري بهذا الاصطلاح أيّ دليل على كونه مخصوصا بالموضوعيّة لأحكام المترتّبة على عنوان الجاري؛ و أيّ حاصر للاعتصام على خصوص النبعان مع أنّ ماء الحمام أيضا كذلك و علّل بالمادّة و ليس له النبعان.
فالأظهر أنّ الجاري بمعنى المتحرّك؛ كما أنّ الراكد في قباله بمعنى الساكن [١] على ما هو المتعارف في الاستعمال كما يقال: جرت الريح أن تحرّكت [٢]، جرى الميزاب، جرى النسيم، و هكذا كلّ ذلك من مصاديق الجريان مع عدم اعتبار النبعان فيها فبعد عدم ظهور نقل أو تقييد من الشارع يكون هذا المعنى المتعارف مناطا في الأحكام مثلا لو كان لسان الديل هكذا بأن يقول: إذا جرى فلا بأس؛ فيصدق بهذا اللسان على أيّ نحو من أنحاء الجريان و لو كان بالانصباب من الإبريق؛ نعم لو تعلّق الحكم على عنوان الجاري فصدقه على ما يصبّ من الإبريق بالمنع حقيق؛ إذا الجاري بصيغة الفاعل مأخوذ فيه عرفا الامتداد و المزاولة شبه الملكة كالشاعر و الحائك؛ إذ لا يقال شاعر على من قال شعرا و الحائك على من حاك مرّة؛ بل اعتبر [٣/] في صدقهما التكرار و الملكة و كذا الجاري؛ و لذا ينصرف هذا العنوان عمّا ينصبّ من الإبريق و نحوه فما احتمله النراقي من صدقه على المنصبّ من الإبريق خال عن التحقيق.
و الحاصل: أنّ الجاري هو ما يسيل و يتحرّك و إن لم يكن له منبع ينبع عنه [٣] أ لا ترى أنّ
[١]- انظر في هذا المجال ما أفاده الفقيه البارع السيّد مصطفى الخميني (قدّس سرّه) في كتاب الطهارة، ج ١، ص ١٨٧.
[٢]- و منه: وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهٰا [سورة يس، الآية ٣٨]، و قول الفقهاء: يعتبر في غسلات الوضوء الجريان. «المقرّر»
[٣]- هذا تحقيق متين في غاية المتانة إلّا أنّه جعل في الأخبار ماء الحمام إذا كانت له مادّة بمنزلة الجاري بمعنى أنّه جار بهذا المعنى حقيقة لا منزّل منزلته؛ كما أجاب به شيخ مشايخنا (قدّس سرّه) هذا القول المحكي عن بعض [راجع: كتاب الطهارة، ج ١، ص ٧١]. «أحمد الحسينى».