شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٠٩
المتوكل يقول: ويحكم قد أعياني أمر ابن الرضا، أبى أن يشرب معي أو يناد مني أو أجد منه فرصة = والجماعة. أنتهى. وقال اليعقوبي: ونهى المتوكل عن الكلام في القرآن وأطلق من كان في السجون من أهل البلدان ومن أخذ في خلافة الواثق فخلاهم جميعا وكساهم جميعا وكتب إلى الافاق كتبا ينهى عن المناظرة والجدل وأمسك الناس انتهى، أقول: وأكثر المجددين من علماء مصر وغيرها من البلاد اعترفوا بأن أعظم جناية وقعت على الإسلام منع الناس عن النظر والاجتهاد والجمود على ما أثر من السلف، وكان أعظم مسألة في تلك الأزمان مسألة القرآن، وأنه حادث أو قديم، وبعده التكلم في الصفات، وكان رأي العوام ورؤسائهم فيها خرافيا صرفا يلتزمون بأمور غير معقولة مثل أن هذا المصحف المكتوب بأيدى الكتاب المدون بين الدفتين الذي صنعه الوراقون قديم بقدم الله تعالى وأن القول بحدوثه تنقيص له، وبعض من تدبر منهم ورآه دليلا على سفاهة قائله ذهب إلى أن كلامه تعالى الذي صدر منه قديم لا هذا المكتوب المدون وهو أيضا غير معقول لأن الكلام حروف مرتبة يتبع بعضها بعضا ولا يتعقل كونها قديمة لأنه يوجب عدم الترتب في الحروف ولذلك التزم العقلاء بكون القرآن مخلوقا بأي معنى فرض وهو غير العلم وأن هذا لا يوجب توهينا له وتنقيصا كما أن النبي (عليه السلام) وهو أفضل من القرآن مخلوق ولا يوجب نسبة ذلك إليه توهينا وكان المأمون وبعده المعتصم والواثق قائلين بخلق القرآن دفعوا الحجر عن القول به وربما امتحنوا المشاغبين والغوغاء من العامة ونهو القضاة عن قبول الشهادة إلا من أهل التوحيد والعدل. قال المسعودي: في سنة ٢١٩ ضرب المعتصم أحمد بن حنبل ثمانية وثلاثين سوطا ليقول بخلق القرآن، وزاد اليعقوبي احتجاج إسحق بن إبراهيم عليه إلى أن قال أحمد: فإنى أقول بقول أمير المؤمنين، قال في خلق القرآن ؟ قال في خلق القرآن، قال فاشهد عليه وخلع عليه واطلقه إلى منزله انتهى. أقول: فاستعمل أحمد التقية أو قال بخلق القرآن خلافا لما عليه الجماعة. وقال اليقعوبي أيضا: صار المأمون إلى دمشق سنة ٢١٨ وامتحن الناس في العدل والتوحيد على ما سبق وقال: وامتحن الواثق الناس في خلق القرآن فكتب إلى القضاة أن يفعلوا ذلك في سائر البلدان وأن لا يجيزوا إلا شهادة من قال بالتوحيد فحبس بهذا السبب عالما كثيرا انتهى. فتبين من ذلك أن مرادهم وصف المتوكل بمحو البدعة وإقامة السنة ليس ما يتبادر إلى الذهن من ظاهره بل منعه من البحث والنظر وإبقاء خطأ من أخطأ من السلف على هو عليه وإن خالف السنة والكتاب أيضا فاختاروا لفظا حسنا لمعنى قبيح وقال يحيى بن أكثم على ما في تاريخ بغداد: القرآن كلام الله فمن قال مخلوق يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه انتهى. وهذا منتهى عقلهم وعلمهم ولم نر بعد البحث الشديد حديثا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر بقتل من قال بخلق القرآن فكيف يكون القائل به سنيا ولكنهم بنوا السنية على أربع أصول: الأول إنكار الحسن والقبح، والثاني الجبر، الثالث عدم خلق القرآن، الرابع رؤية الله تعالى مع عدم كونه جسما ومتحيزا. والسني عندنا من التزم باتباع سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأما الأصول الأربعة فيخالف السنة والكتاب والعقل ولا ينبغي إلا لمثل المتوكل أن يكون مؤسسا لها ويتنزه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكل نبي بل كل عاقل أن تكون تلك الخرافات سنة له يجبر الناس على قبولها فإن أبى ضربت عنقه ولم يكن بناء أبي بكر وعمر أيضا على ذلك على ما يستفاد من سيرتهما والله العالم. (ش). (*)