شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٦٧
الروحاني كما انه المعلم في العالم الجسماني، ويؤيده بعض الروايات. قوله (ومن الحكم ينابيعه) الحكم بالضم والسكون الحكمة والحكيم صاحب الحكمة المتقن للامور والحكم أيضا القضاء بين الخلق، والينابيع جميع الينبوع وهو عين الماء سميت به لأنه ينبع منه الماء أي يخرج وفي جميع الينبوع والمفتاح إشارة إلى أنه (صلى الله عليه وآله) أوتى جميع فنون العلم والحكمة [١] وفي الكلام استعارة مكنية وتخييلية. قوله (ابتعثه رحمة للعباد) أي بعثه وأرسله إلى العباد رحمة لهم لأنه يهديهم إلى الكرامة والسعادة وينجيهم من الضلالة والشقاوة. قوله (وربيعا للبلاد) الربيع النهر والمطر، وربيع الأزمنة عند العرب ربيعان الربيع الأول هو = المثلثات الذي هو مبنى أكثر العلوم في زماننا، ومحمد بن موسى الخوارزمي للجبر والمقابلة، ولا ريب أن مفاتيح العلوم الإلهية في القرآن، وتنبه من تنبه للتفاصيل بتنبيه القرآن إياه إذ نبه على إثبات العمد والتدبير في خالق الموجودات وعلمه بها بالتأمل في آثاره تعالى كما قال: * (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) * وهو مفتاح من مفاتيح علم التوحيد ونبه بقول: * (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) * على شبه الموت بالنوم، وأن للنفس حواس اخرى ومدارك غير المشاعر الظاهرة النائمة ورفع الاستبعاد عن تجرده وبقائه وهكذا سائر مفاتيح المسائل الشرعية، وإذا كان التنبه لمفاتيح العلوم ممكنا في الجملة لسائر الناس كيف يستبعد ثبوته للأنبياء (عليهم السلام). (ش)
[١] قوله " العلم والحكمة " بل هو منبع العلوم غيره ومنه أخذ سائر العلماء والحكماء تفاصيل علومهم، خص الكلام والحكمة بالذكر مع أن سائر العلوم الشرعية كالفقه أيضا مأخؤذة منه لأهمية هذين العلمين، والدليل الظاهر على حكمة الرسول (صلى الله عليه وآله) أن المسلمين بعد أن نقلوا علوم الامم إلى العربية ومن علومهم المنقولة كتب في الأخلاق والسياسات والقوانين وما يعرف بالحكمة العملية وقايسوا بين مستنبطات أفكار اليونانيين فيها وما وصل إليهم من صاحب الشريعة وجدوا تفوق الثاني وفضله عليها جميعا فتركوها واكتفوا بما وصل إليهم من الشرع كما تركوا آدابهم وخطابتهم لتفوق آداب العرب وخطابة علماء المذهب واكتفوا من علوم الامم بالطبيعيات في الإلهيات والطب والرياضيات مما لم يبعث الأنبياء لبيانها، ووجدوا ما وصل إليهم من صاحب الشريعة في الإلهيات والمعاد موافقا أو غير مخالف لأشهر حكماء الأوائل وأعاظم فلاسفتهم الإلهيين ومخالفا للماديين الظاهريين منهم وأيضا مخالفا لقول اليهود والنصارى فأعجبهم ذلك وجعلوا ذلك دليلا على صدق الرسول في دعواه لأن الوحي من جانب الله العالم بكل شئ لا يكون مخالفا للواقع المعلوم بالعقل وكان اليهود معتقدين لتجسم الباري تعالى وأنه يرى بالبصر وكانوا يصفون الملائكة بصفات المادة كالاكل والشرب، وقالوا: أكل ضيف إبراهيم من العجل الحنيذ دليلا على أنهم ما كانوا عرفوا المجردات والفرق بينهما وبين الماديات والنصارى كانوا قائلين بالتثليث وتجسم الواجب بصورة الإنسان، وأما حكماء اليونان أعني الالهيين منهم فكان مذهبهم المؤيد بالأدلة العقلية موافقا لما ورد عن صاحب الشريعة الإسلامية في التوحيد والمجردات وبقاء النفوس وهذه معجزة عظيمة. (ش) (*)