شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٦٤
بالكسر وكأنه أراد من الحلم الأناة والتثبت في الأمور وذلك من شعار العقلاء، والجمع المضاف في الموضعين يفيد العموم، ولعل المراد بأوصاف الرسالة المواعظ الشافية والنصائح الوافية والوحي وتبليغ الأحكام وغيرها، وفي جميع الأحلام إشعار بأن عقله فوق عقول جميع الرسل بل هو عقل الكل. قوله (الى أن انتهت به أسباب مقادير الله إلى أوقاتها) " الى " متعلق بمجبول ومطبوع وغاية لجبلة ويحتمل أن يكون التدريج فيهما لإفادة كماله لأن كل فعل صدر من الفاعل القادر المختار على وجه التدريج فهو في غاية الكمال، والضمير في به راجع إلى محمد (صلى الله عليه وآله) وإرجاعه إلى الجبل والطبع بعيد والظرف متعلق بانتهت أو حال عن الأسباب بتقدير متلبسة أو متعلقة، وإضافة الأسباب إلى مقادير الله بيانية، والمراد بها الأسباب التي قدرها الله تعالى لنبوته وهي كل ماله = بالتصنع ولم ينكر وقوع الأحلام له (صلى الله عليه وآله) أحد حتى المشركين من معاصريه، لكن نسبوه إلى ما نسبوا ليماروه ويشككوه في صحة ما يرى كما حكى الله تعالى عنهم: * (أفتمارونه على ما يرى) * وقال: * (قل هل انبئكم على من تتنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم) * وقال تعالى: * (يلقون السمع وأكثرهم كاذبون) * والعلامة المميزة بين الحق والباطل أن ما يراه الرائي إن كان مشتملا على العلوم الدقيقة الإلهية والمصالح الحقيقية فهو من عالم الملائكة ولا يحتمل نسبته إلى الأوهام وتجسم الخيالات والأمراض إذ لا يتمثل بالاوهام إلا ما هو مرتكز في ذهن الإنسان نفسه. فإذا أخبر صاحب الرؤيا بما نعلم عدم إمكان ارتكازه في خاطره علمنا أنه من عالم خارج عنه، مثلا إذا عرفنا رجلا لا يحفظ من القرآن شيئا ثم نام ورأى في نومه من علمه فاستيقظ حافظا للقرآن علمنا أن ذلك من عالم الغيب، وإن رأينا رجلا لا يعرف العربية فحصل تغير في نفسه وتكلم بها علمنا أنه بتعليم ملك مثلا، وإذا رأينا رجلا من العوام تكلم مع أعاظم العلماء في مسألة علمية لا عهد له بها مثل كردي عامي شرح معنى قوله " الحق ماهية إنيته " بوجه صحيح عرفنا أخذه من عالم آخر فكيف لا يدل إخبار خاتم الأنبياء (عليهم السلام) بقوله: * (وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) * على ارتباطه مع عالم غير عالم الشهادة، إذ لا يعلم أحد من موجودات عالم الشهادة ما سيأتي بعد سنين ومثله قوله: * (لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) * وقال: * (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس) *. ولولا ارتباطه بعالم آخر من أين تجرأ مع دعوى النبوة والصدق أن لا يحتاط في الإخبار ويحكم جزما بأنه لا يأتي أحد بمثل القرآن إلى آخر الدهر، وكذلك ادعاؤه أنه خاتم النبيين ولن يبعث نبي بعده وقد يتفق للإنسان العادي تغيير في بعض ملكاته يسميه أهل زماننا تغيير الشخصية تغييرا يدوم كبليد يصير فطنا أو يزول بسرعة وهو في تلك الحالة كرجل يتكلم عن لسان غيره كما يحكى عن الكهان، وهذا أيضا يدل على وجود عالم الغيب وتلقي روح الإنسان منه ما ليس في استطاعته لو خلى ونفسه، والفرق بين الكهانة والنبوة أخذ الأول من الشياطين وعدم وضوح الرؤيا وامتزاجه مع الأوهام كرؤيانا في النوم والنبوة خالصة من هذه الشوائب كما بينه تعالى في القرآن. (ش) (*)