شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٣٠
وجدت ههنا كلام الفاضل الإسترآبادي موافقا لما ذكرت وحصل لي وثوق آخر بذلك وكلامه هذا المراد خلق التقدير لا خلق التكوين محصل المقام أنه تعالى قدر أبدانا مخصوصة من الطينتين ثم كلف الأرواح فظهر منها ما ظهر، ثم قدر لكل روح ما يليق بها من تلك الأبدان المقدورة، وإذا تأملت فيه وجدت أنه لا فرق بينه وبين ما ذكرت إلا إنه اعتبر أعمالهم في الوجود الظلي وجعلها سببا للأبدان المخصوصة ونحن اعتبرنا أعمالهم في الوجود العيني، والأمر في ذلك الاختلاف سهل بعد التوافق في أصل المقصود. قوله (ثم بعثهم في الظلال) قال الفاضل الإسترآبادي يفهم من الروايات أن التكليف الأول وقع مرتين مرة في عالم المجرد الصرف ومرة في عالم الذر، بأن تعلقت الأرواح فيه بجسد صغير مثل النمل ولما لم يكن تصل أذهان أكثر الناس [١] إلى إدراك الجوهر المجرد عبروا (عليهم السلام) عن المجردات = كانت أو شرا، ومحصل كلام الشارح في الدفع أن الله تعالى خلق أبدانا من الطينة الطيبة وجعل فيها أرواحا علم أنهم لو كانوا مختارين في الدنيا لآمنوا لا محالة، وخلق أيضا أبدانا من الطينة الخبيثة وجعل فيها أرواحا علم أنهم لا يؤمنون في الدنيا باختيارهم، ومفاد كلام الاسترآبادي أن تلك الأرواح آمنوا في عالم الذر باختيارهم وبعضهم لم يؤمنوا كذلك وجعل كلا في بدن يناسبه، وشئ من الكلامين لا يدفع الشبهة الطينة الطيبة أو الخبيثة أما أن تؤثر في الإيمان والكفر أو لا تؤثر، فإن لم تؤثر لم تصح وصفها بالطيب والخبيث لأن طينة لا تقرب العبد إلى الإيمان ولا إلى الكفر تتساوى في جميع الناس من هذه الجهة وليست من حيث كونها طينة متصفة بخير ولا شر، وإن أثرت في تقريب صاحبها إلى إيمان أو كفر لزم منه سلب الاختيار عن الناس أو التبعيض في القرب إلى الخير أو الشر في دار التكليف حين يشرع عليهم الشرائع ويرسل إليهم الرسل وينزل عليهم الكتب، وأن اختيارهم في عالم الذر لا يدفع محذور لزوم الجبر والتبعيض حين التكليف. والجواب الحق في ذلك أنا نعلم أنه تعالى ليس بظلام للعبيد وأنه لا يسلب الاختيار عن العبد حين يأمره بالتكليف وما خالف ذلك ظاهرا يجب رده أو تأويله. وقد سبق منا في حاشية صفحة ٣٧٤ من المجلد الرابع وقبلها وبعدها ما يبين ذلك. (ش)
[١] قوله " ولما لم يكن يقبل أذهان أكثر الناس إدراك الجوهر المجرد " مقصوده أن إطلاق هذه الكلمة أعني الجوهر المجرد - على المعنى المصطلح المتداول في العصر الأخير بين أهل المعقول وهو الموجود المستقل بنفسه غير الجسماني لم يكن مشهورا في عصر الأئمة (عليهم السلام) بحيث يفهمه السامعون، كما أن لفظ الواجب والمكروه والحرام في عصرهم (عليهم السلام) لم يكن متداولا في الإطلاق على خصوص المعنى المتداول بين الفقهاء المتأخرين، لا أنهم ما كانوا يدركون الجوهر المجرد أصلا بل كانوا يدركون معناه ولا يطلقون عليه هذا اللفظ. ولا يتعجب من الفاضل الإسترآبادي وصدور مثل هذا الكلام منه لأن توغله في الأخبارية لا ينافي تبصره في العقليات ولا يبعد منه اعترافه بأن الأئمة والعلماء ربما يعبرون عن المعاني المجردة بالتعبير الجسماني = (*)