تجلّي القرآن في نهج البلاغة - مصباح اليزدي، محمد تقي - الصفحة ١٧ - حديث القرآن

أخرى كتاب ناطق يوجّه خطابه لجميع الناس يدعوهم لاتّباعه ، ويبشّر أتباعه بالسعادة والفلاح .

من البديهي أنّ القرآن الذي صفته التقدّس فقط ، هو كلمات وعبارات وآيات مسطورة على الورق ، يوليه المسلمون احتراماً ، ويقبّلونه ويضعونه في أفضل مكان من بيوتهم ، وقد يتلونه في المجالس أحياناً دون أن يتوجّهوا إلى حقيقته ومعناه ، إذا ما نظرنا إلى القرآن بهذه النظرة فهو كتاب صامت لا يتحدث بصوت مسموع ، ومَن يمتلك مثل هذه النظرة لن يسمع كلام القرآن ، ولن يعالج القرآن الكريم له مشكلة .

بناءً على هذا نحن مكلّفون بالتزام الرؤية الثانية ، أي أن نعتبر القرآن كتاب الحياة ، ونعدّ أنفسنا لسماع كلام القرآن الكريم ، الذي يمثّل بأسره تعاليم الحياة ، وذلك من خلال خلق روح التسليم أمام الله سبحانه وتعالى ، وفي مثل هذه الحالة يكون القرآن ناطقاً يحدّث الناس ويهديهم في كافة المجالات .

بالإضافة إلى هذا التفسير الذي قدّمناه لصمت القرآن ونطقه ، ثَمّة معنى أكثر عمقاً لهذا الأمر ، وذلك المعنى هو ما يقصده علي ( عليه السلام ) ، وعلى أساس هذا المعنى الخاص يقول ( عليه السلام ) إنّ القرآن صامت ويجب استنطاقه ، وأنا الذي أُبيّن لكم القرآن ، وها نحن نتطرق لتوضيح صامتية القرآن وناطقيته بالمعنى الثاني ، وهو في الحقيقة بيان لمعناه الحقيقي :

بالرغم من أنّ القرآن الكريم كلام الله جلّ وعلا ، وأنّ حقيقة هذا الكلام الإلهي وكيفية صدوره ونزوله ليست معروفة لدينا ، ولكن بما أنّ الغاية من نزوله هداية الناس ، فإنّ هذا الكلام الإلهي قد تنزّل بحيث أصبح على هيئة كلمات وعبارات وآيات ، يتسنى قراءتها وسماعها بالنسبة للبشر ، ولكن في نفس الوقت ليس الأمر بأن تكون مضامين جميع آياته يسيرة الفهم والمنال بالنسبة للعاديين من الناس ، ويصبح بمقدور الناس أنفسهم بلوغ مقاصد الآيات دون تفسير وبيان من قِبل النبي ( صلّى الله عليه وآله ) ، والأئمة